فقد كانت كَفْرطاب مشحونةً بأهل العلم، وكان بها مَن يقرأ الأدب ويشتغل به قبل أن يهجُمها الفرنج. وهجمها الفرنج في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. وكانت لأبي المتوّج مقلّد بن نصر بن مُنقِذ في أيام أبي العلاء. فلعلّه تصحَّف كفرطاب بأنطاكية، وتصحيفها به غير مستبعد. فإن كان كذلك فابنُ منقذٍ الحاكي لهذه الحكاية هو أبو المتوّج مقلَّد بن نصر بن مُنقذ، وأبو نصر. وكفرطاب قريبة من معرّة النعمان. ويحتمل أنّ ذلك كان بحلب؛ فإنّ أبا العلاء دخل حلب وهو صبيٌّ، واجتمع بمحمد بن عبد الله بن سعد النحويّ، وردّ عليه خطأه في شعر المتنبِّي، على ما ذكرناه في ذكر شيوخه الذين أخذ عنهم. فيحتمل أنَّ هذه الحكاية التي حكاها ابن مُنقِذ كانت [1] بحلب، وأبو المتوّج بن منقذ كان بحلب، وله بها دارٌ ومنزل، وكان بها خزانة كتب في الشَّرَفِية [2] التي بجامع حلب، في موضع خزانة الكتب اليوم. واتّفقتْ فتنةٌ في بعض أيّام عاشوراء بينَ أهل السّنّة والشّيعة، ونُهبت خِزانة الكتب، وكان ذلك في زمن أبي العلاء، ولم يبق في خِزانة الكتب إلّا القليل، وجَدَّدَ الكتبَ فيها بعد ذلك الوزيرُ أبو النَّجم هبة الله بن بَديع، وزير الملك رضوان. ثمّ وقف غيرُه كتبًا أُخَر بها.
وقد ذكر أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سِنان الخفاجيّ هذه الخزانة في قصيدته التائية التي كتبها من القسطنطينية، يداعبُ أحدَ أصدقائه بها، قال فيها:
أبلِغْ أبا الحسَنِ السَّلامَ وقُلْ لَه ... هذا الجفاءُ عَداوةُ الشّيعيّةِ
(1) ... في الأصل: «كان» .
(2) ... الشرفية: يراد بها المدرسة الشرفية، نسبة إلى بانيها شرف الدين عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن الحلبي، المعروف بابن العجمي، المولود بحلب سنة 480 والمتوفى بها في شعبان سنة 561. انظر الشذرات وطبقات الشافعية (4:244) وإعلام النبلاء (4:250) . وفي الأصل: «الشرقية» بالقاف، محرف.