فلمّا مَضَى العُمْرُ إلّا الأقلَّ ... وحُمَّ لرُوحي فراقُ الجَسَدْ
بُعِثْتُ شفيعًا إلى صالحٍ ... وذاك من القوم رأيٌ فسَدْ
فيسمَعُ منِّيَ سجعَ الحمامِ ... وأسمَعُ منهُ زئيرَ الأسدْ
فلا يُعْجِبَنِّيَ هذا النَّفاقُ ... ... فكَم نفّقَتْ مِحنةٌ ما كسَدْ
وقد ذكر بعضُ الرُّواة أن صالحًا قال له عندما أنشده هذا الشّعر: نحن الذين تسمع منا سَجْعَ الحمام، وأنت الذي نسمع منك زئير الأسد.
وهذا تاذرس المشار إليه في هذه الحكاية هو تاذرس بن الحسن النصراني، وكان وزير صالح بن مرداس، وصاحبَ السّيف والقلم، وكان متمكِّنًا عنده. وكان في نفسه من أهل المعرّة شيء؛ لأنهم قتلوا حَمَاه الخوري وكان يؤذيهم، فتتبَّع قتَلتَه وصلَبهم وقتلهم. فلما أُنزلوا عن الخشب ليصلَّى عليهم ويُدفَنوا، قال النّاس حينئذ يكايدون النصارى: قد رأينا عليهم طيورًا بِيضًا، وما هي إلّا الملائكة! فبلغت هذه الكلمةُ تاذرس، فنقَِمها على أهل المعرّة، واعتدَّها ذنبًا لهم. فلما اتّفقت هذه الواقعةُ من نهب الماخور، شدّد تاذرس عليهم لذلك.
والمهذب المذكور هو الشيخ أبو الحسن المهذب بن ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... [1] في أكل الطيبات، وقهرًا للنفس. وقال في آخر كلامه: وممّا حثّني على ترك أكل الحيوان أنّ الذي لي في السنة نيّفٌ وعشرون دينارًا، فإذا أخذ خادمي بعضَ ما يجب، بقي لي ما لا يُعجب، واقتصرتُ على فولٍ وبُلْسُن، وما لا بعذُب على الألسن.
فأجابه بجواب يطلب فيه تحقيق القول، ويقول في آخر رسالته:
وقد كاتبت مولاي تاج الأمراء -يعني ثمال بن صالح- أن يتقدَّم بإزالة العلّة فيما هو بُلغة مثله من ألذِّ الطعام، ومراعاتِه به [على] الإدرار والدَّوام؛ لِيُكشف عنه غاشيةُ هذه الضَّرورة، ويجري في أمر معيشته على أحسنِ ما يكونُ من الصُّورة.
فامتنع أبو العلاء من قَبول ذلك، وأجابه بجوابٍ دفع ذلك عنه.
(1) ... هنا بياض في الأصل.