من نوعية التعبير التي لا تستجمع الحس والوعي.
والكاميرا لا تنقل أي زمان ومكان، بل تنقل وفق علاقات جدلية يفقهها المشاهد بفكره ووعيه.
وفي السينما حوار وغناء ولون وشكل.. أي تكثيف يصطفي القيم التعبيرية للصوت والصورة والرمز الذي هو علاقة بين صوت وصورة، وبين صورة وصوت، وبين صوت وصورة.. والمشاهد حينئذ يجمع معاني، ويستنبط أفكارًا بأكثر من ضرب تعبيري بتناغم مشترك، وبهذا يكون نص الفيلم المكتوب والسيناريو المكتوب مادة خامًا بدائية للعمل السينمائي وإن كان قمة العمل الأدبي.. وكان قمة لما كان المجال مجال التعبير اللغويس والأدبي فحسب.
ولكنه أصبح ثانويًا في السينما، لأن التعبير اللغوي والأدبي أحد عناصر السينما وليس جميعها.
وإذ صحت هذه الحقيقة أصبح من البهي أنه ليس من أخص خصائص المخرج أن يطوع إمكانات التكنولوجيا لنقل المشهد الذي اقترحه كاتب النص بقياس زمني وكمي محدد حينما يقبع في غرفة المراقبة والإنذار.. ليس عمل المخرج عملًا حِرَفيًا - بكسر الحاء وفتح الراء- يتدرب عليه ويطبقه كما أتاحت له الممارسة.
إن من صميم عمله ابتكار ضروب التعبير السينمائية التي تُطوَّع لها إمكانات الممارسة والحرفة.
من واجب المخرج أن يكون فنانًا بطبعه، ويكون تطويع إمكانات التكنولوجيا من وسائله.. يكون ذا خبرة بالنظريات الأدبية والفنية والجمالية.
ولعله من المبالغة الآخذة بأبعد الطرفين ما دعا إليه أصحاب نظرية (الفيلم النقي) ، وهو أن يكون الفيلم نصًا أدبيًا مكتوبًا، بل مادة مسجلة مباشرة.
أي أن يقوم المخرج مقام كاتب النص، فيسجل العمل بآلته.
وهذا المذهب يحدُّ من تقنية العمل الفني، ويدعو إلى ارتجال البداية.
ولهذا أرى هذا المذهب غلوًا يُطامِن من عظمة الفن ويشوه محياه.
والطرف الذميم الآخر أن يكون المخرج في حضانة كاتب النص يقتصر على تصوير الأماكن والديكورات، أو يتعسف في استعمال سلطة المهنة فيشاغب كاتب النص بما يعاكس