تميزت معرفة الخيال بالحدث الفني .
وأضخم دعوى في الحدس الفني أن ما فيه من مضامين عملية أو نفعية أو منطقية أو أخلاقية ذاب وتغير عما كان عليه .
ولعل هذه الدعوى تفسر باتحاد الشكل والمضمون ، والذات والموضوع. وبهذا يتحول الموضوع الخارجي لأي غرض من أغراض الشعر إلى عمل فني متحد .
قال الدكتور محمد زكي العشماوي"لا يمكن أن يكون اختيار الخريف موضوعًا لقصيدة ما أبلغ أو أكثر شاعرية من اختيار موضوع آخر مثل منازل الفقراء المدقعين مثلًا ."
ولو جاز أن يكون للموضوع قيمة في ذاته لكان همنا من القصيدة المعرفة العقلية عن مسألة أو موضوع ما .
ولو كان هذا هو هدفنا لكان الأولى بنا أن نستمع إلى مقال علمي عن الخريف ، أو لذهبنا لعالم من علماء الاقتصاد أو الاجتماع لنجد عنده الدراسة الجادة لمنازل الفقراء المدقعين،وما تحتوي عليه من ظواهر اجتماعية واقتصادية . ولاستطاعت هذه المقالات العلمية أن تصل بنا إلى معرفة أدق وأشمل مما يمكن أن تقدمه إلينا القصيدة الشعرية .
إن العبرة في النقد الجمالي ليست للموضوع باعتباره شيئا خارجيًا ولا بالفكرة باعتبارها مجرد فكرة ، وإنما العبرة بما صار إليه الموضوع أو الفكرة بعد أن سيطر عليهما الشاعر أو الفنان، وبعد أن اصهرتا في ذاته، وبعد أن تحولتا إلى فن.
إن كل موضوع وكل فكرة ليسا إلا مجرد مادة من المواد الخام التي تتحول عند تناولها إلى شيء جديد" (20) ."
قال أبو عبقد الرحمن: قيمة الفن قيمة جمالية بلا ريب، ولكن هذا لا يعني أن الجمال محصور في ظواهر الفن الجمالية، بل هناك جمال عنصره العظمة والكمال، أو الفكر وجبروته، وهو جمال يسمق بقيمتي الحق والأخلاق . وقد يوجد موضوعان مختلفان تتساوى قيمتها الجمالية الفنية، ولكن موضوعًا منهما تزكِّيه قيمتا الحق والأخلاق من أجل جمال العظمة المذكور آنفًا لصلته (21) العملية بالجمهور، أو لسموقه الفكري، فيكون أجمل فنيًا بعناصر جمالية خارج عناصر