4-وهل يعذر هذا الرجل بجهله في عدم معرفة ان الله قادرا على ان يبعثه وانه على كل شيء قدير.
اعلم أن قوله:"إلا التوحيد"في الحديث مع كونها صحيحة الإسناد، فقد شكك فيها الحافظ ابن عبدالبر من حيث الرواية، وإن كان قد جزم بصحتها من حيث الدراية، فكأنه لم يقف على إسنادها، لأنه علقها على أبي رافع عن أبي هريرة، فقال رحمه الله (18/40) :"وهذه اللفظة- إن صحت- رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل؛ فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها، لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار؛ لأن الله عز وجل قد أخبر أنه ( لا يغفر أن يشرك به) لمن مات كافرًا، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة."
واما الدليل على أن الرجل كان مؤمنًا قوله حين قيل له"لم فعلت هذا ؟"فقال:"من خشيتك يارب !". والخشية لاتكون إلا لمؤمن مصدق ؛ بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم؛ كما قال الله عز وجل: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ، قالوا: كل من خاف الله فقد آمن به وعرفه، ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به. وهذا واضح لمن فهم وألهم رشده.
وأما قوله:"لئن قدر الله علي"؛ فقد اختلف العلماء في معناه؛ فقال منهم قائلون: هذا رجل جهل بعض صفات الله عز وجل، وهي القدرة، فلم يعلم أن الله على كل ما يشاء قدير، قالوا: ومن جهل صفة من صفات الله عزوجل، وآمن بسائر صفاته وعرفها؛ لم يكن بجهله بعض صفات الله كافرًا. قالوا: وإنما الكافر من عاند الحق لا من جهله. وهذا قول المتقدمين من العلماء ومن سلك سبيلهم من المتأخرين.
وقال آخرون: أراد بقوله:"لئن قدر الله علي"من القدر الذي هو القضاء، وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء. قالوا: وهو مثل قول الله عز وجل في ذي النون: (إذ ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه ) .
وللعلماء في تأويل هذه اللفظة قولان:
أحدهما: أنها من التقدير والقضاء.
والآخر: أنها من التقتير والتضييق.
وكل ما قاله العلماء في تأويل هذه الآية فهو جائز في تأويل هذا الحديث في قوله:"لئن قدر الله علي"، فأحد الوجهين تقديره: كأن الرجل قال: لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه؛ ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين غيري.
والوجه الآخر: تقديره: والله! لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزائي على ذنوبي ليكونن ذلك. ثم أمر بأن يحرق بعد موته من إفراط خوفه.