حصلت التفرقة بين الآحاد والمتواتر في الاحتجاج عندما دبت البدع والأهواء في المسلمين ، ولم يجد أهل البدع ملجأً لدفع الحجج المتوجهة ضدهم من الأحاديث الكثيرة الصحيحة إلا بأن يتذرعوا بتلك البدعة الجديدة من القول بأن خبر الآحاد ظني لاحتمال الخطأ فيه .
يعني يقولون: ما دام الرواة واحدًا أو اثنين أو ثلاثة مهما كانوا من الثقات فالخطأ وارد ، فيمكن أن يخطئ الثقة أو الثقتان ، وهذا دليل على أن هذه الأحاديث ظنية غير مجزوم بها فلا يمكن أن يؤخذ بها في الاعتقاد .
وهذه الشبهة باطلة شبهة باطلة من عدة وجوه:
1_ ما قدمناه من مخالفتها لفعل النبي ( وأصحابه من الخلفاء الراشدين وغيرهم .
2_ أن الله ( قد تكفَّل بحفظ السنة ، فما أخطأ فيه راوٍ قد حفظه الله براوٍ آخر ، والحمد لله ، فلا يمكن أن يأتينا رواية فيها خطأٌ إلا وقد حفظ الله لنا بتصحيحها من رواية أخرى لأن ذلك من حفظ الدين كما قال تعالى: ( إنا نحنُ نزّلنا الذكرَ وإنا له لحافظون ( ، وقد قدمنا أن السنة من الذكر المنزل من الله سبحانه وتعالى على نبيه ( .
والأمثلة على ذلك كثيرة ، من أراد أن يتتبعها وجدها ، فسبحان الله ! يخطئ الراوي في كلمة فتجد روايةً أخرى قد صححت خطأه الذي جاء في روايته .
3ـ أننا أُمِرنا بقبول خبر العدل الضابط ، ففي كتاب الله ( أمرنا اللهُ تعالى أن نقبل الرواية بشروط معينة ، فقال (: ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبينوا .. ( فشرط التَّبَيُّنَ في رواية الفاسق ، أما العدل فلم يشترط فيه التبين ، وهذا يعني القبول .
وقال في الآية الأخرى: ( فلولا نَفَرَ من كلِّ فرقةٍ منهم طائفةٌ ليَتَفَقَّهوا الدين ولِيُنْذِروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ( ، فجعل شرط قبول النِّذارة أن تكون الطائفة التي نقبل منها ـ وهي من الواحد فأكثر ـ أن يكون متفقهًا في الدين ، بمعنى: الحفظ والضبط ، فهذان الشرطان الواردان في كتاب الله تعالى: