تكاد تجمع الروايات على أن أولَ من فكَّرَ بالجمعِ والتدوينِ من التابعينَ كان عمرَ بنَ عبد العزيز رحمه الله تعالى ، فإنه أرسلَ إلى أبي بكر بن محمد بنِ حزم وقال له: انظر ما كان من حديث رسولِ الله ( فاكتبه فإني خفتُ دُروسَ العلم وذهابَ العلماء ، وطلب منه أن يكتبَ له ما عند عمرةِ بنتِ عبد الرحمن وما عند القاسم بن محمد بنِ أبي بكر الصديق ، وكما ذكرنا أن عمرة كانت ربيبة عند عائشةَ ( وحفظت كثيرًا من العلم ، وأن القاسمَ كان من السبعةِ الفقهاء كما سبق ذكره .
وقد كتب عمرُ إلى أهلِ الآفاق: انظروا إلى حديث رسولِ الله ( فاجمعوه ، فهذا كان التدوين الأول للسنة في عهد خامسِ الخلفاءِ الراشدين رحمه الله تعالى .
ثم بعد ذلك كان الزهري هو أشهر من دون الحديث في ذلك العصر ، وهو من التابعين .
واشتهر من المدوَّنات في تلك الآونةِ صحيفةُ همّامِ بن مُنَبِّهٍ عن أبي هريرةَ التي سبق أن أشرنا إليها .
ثم استمر التدوينُ بعد ذلك فكان من مشاهيرِ المدونين ابنُ جُرَيجٍ الذي ألف كتاب ( السنن ) ، وابنُ إسحاق الذي ألف كتاب ( السنن ) أيضًا وكتاب ( المغازي ) المشهور الذي هو عمدةُ المغازي .
وكذلك الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ الذي ألّف كتابه ( الموطّأ ) ، ثم الثوري الذي ألّف كتابَ ( التفسير ) ، وابن المبارك الذي ألّف ( الزهد والرقائق ) ( والأربعين في الجهاد ) ، وأيضًا معمرُ بنُ راشد الذي ألّف كتابًا عظيمًا في المغازي .
فهذا العصرُ هو عهدً التابعين ، ثم كبار تابعي التابعين .
* لما جاء القرنُ الثالثُ: بدأ التدوينُ يأخذُ وضعًا جديدًا ، وأصبحَ هذا القرنُ - أعني القرن الثالث - هو عصر ازدهار التدوين . ففيه ازدهرت المصنفات وانتشرت ، وكانت لها طرائقُ متعدّدةٌ ، فمن ذلك: