يقول الزجاجي:"وقد جاء في الشعر شيء قلب فصيّر مفعوله فاعلا وفاعله مفعولا على التأويل ضرورة وأنا أذكر لك منه شيئا تستدل به على ما يرد عليكم منه في الشعر فتعرف وجهه ولا تنكره، فمنه قول الشاعر:"
مثل القنافد هداجون قد بلغت
... ... نجران أو بلغت سوءاتهم هجرُ
فقلب الفاعل فصار مفعولا
ومنه قول الآخر:
غداة أحلّت لابن أصرم طعنةً
... ... حصين عبيطات السدائف والخمر فقلب فنصب الطعنة وهي التي أحلت له ورفع المفعول.
ومما جاء من المفعول المحمول على المعنى قوله:
قد سالم الحيات منه القدما
... ... الأفعوان والشجاع الشجعما
لأن المسألة لا تكون إلا من اثنين، ومن سالم شيئا فقد سالمه الآخر لأنه مثل المقاتلة والمضاربة... فجعل الحيات فاعلات فرفعها بالمسالمة ثم نصب الأفعوان والشجاع... فجعلها مفعولات لأنها مسالمة كما أنها مسالمة. (21)
وقد جعل ابن هشام هذا الترخص من ملح كلامهم قال:"من ملح كلامهم تقارض اللفظين في الأحكام" (22) كإعطاء الفاعل إعراب المفعول وعكسه عند أمن اللبس مثل:"خرق الثوبُ المسمارَ"و"كسر الزجاجُ الحجرَ"، وأورد مجموعة من الأبيات من بينها:
إن من صاد عقعقا لمشوم
... ... كيف من صاد عقعقان وبوم
وفيه رفع الفاعل والمفعول معا. (23)
3-مصادر اللبس التركيبي:
يتوقف فهمنا للتراكيب في شطر كبير منه على هيئة نظم الكلم، ذلك أن كثيرا من الجمل الملتبسة التي تحتمل الواحدة منها معنيين أو أكثر إنما يرجع اللبس فيها إلى هيئة النظم وسمته (24) ولهذا كان تصريف الكلام لأداء مختلف الوظائف، لا سيما الوظيفة المحورية ( الفهم والإفهام) ، تقتضي من المتكلم احترام جملة من النواميس اللغوية تحتل في تفكيره محل الأساس الضروري لكل عملية تواصل لغوية مهما كان مستواها.