إن من أصول العربية الدلالة بالحركات على المعاني فإذا استهدينا بهذا الأصل وجب أن نرى في هذه العلامات الإعرابية إشارة إلى معان يقصد إليها فتجعل تلك الحركات دوال عليها وما كان للعرب أن يلتزموا هذه الحركات ويحرصوا عليها ذلك الحرص كله، وهي لا تعمل في تصوير المعنى شيئا، بل لقد كانت حارسا لأمن اللبس في النظام والسياق معا. (16)
يقول السيوطي:"إنما وضع - الإعراب- في الأسماء ليزيل اللبس الحاصل فيها باعتبار المعاني المختلف عليها، ولذلك استغنى عنه: الأفعال والحروف والمضمرات والإشارات والموصولات لأنها دالة على معانيها بصيغها المختلفة فلم تحتج إليه، ولما كان الفعل المضارع قد تعتوره معان مختلفة كالاسم دخل فيه الإعراب ليزيل اللبس عند اعتوارها، ومنه رفع الفاعل ونصب المفعول فإن ذلك لخوف اللبس منهما لو استويا في الرفع أو في النصب، ثم قال:"ومن ثم وضع للبس ما يزيله إذا خيف واستغني عن لحاق نحوه إذا أمن" (17) ."
إن العرب مجمعون على رفع الفاعل ونصب المفعول به إذا ذكر الفاعل إلا أنه قد جاء الفاعل منصوبا والمفعول مرفوعًا إذا أمن اللبس يقول ابن مالك:
ورفع مفعول به لا يلتبس ونصب فاعل أجز ولا تقس . (18)
قال ابن الطراوة:"بل هو مقيس ومنه في القرآن الكريم ( فتلقى آدم من ربه كلمات) [البقرة /36] فابن كثير وهو القارئ المكي من القراء السبعة ينصب آدم ويرفع كلمات (19) ."
وقد كان ابن الطراوة يقول: إذا فهم المعنى فارفع ما شئت وانصب ما شئت وإنما يحافظ على رفع الفاعل ونصب المفعول إذا احتمل كل واحد منهما أن يكون فاعلا وذلك نحو:"ضرب زيد عمرا"لو لم ترفع"زيدا"وتنصب"عمرا"لم يعلم الفاعل من المفعول . (20)
وقد أوردت مصادر النحو عددا من الأبيات الشعرية وقع فيها الترخص في الإعراب.