الصفحة 101 من 205

إن من أهم مصادر اللبس خرق القواعد بشكل صريح وسافر، أو كما يعبر عن ذلك"غرايس"عند الاستخفاف بالقواعد أو استغلالها مع عدم احترام المبادئ المتحكمة في أي خرق، لأن المتكلم إذا انحرف عن استعمال مواقف للحكم والقواعد احتاج المستمع على الأقل إلى تقرير الكلام وإعادة تشكيله حتى يتوصل عبر استدلالات متتابعة إلى المقتضى الذي يقصد المتكلم إبلاغه . (25)

فاغتصاب الأماكن والنزول في غير الأوطان (26) من شأنه أن يؤدي إلى عدم التطابق بين المستوى المنطوق والفكرة ، وإذا لم يتم التطابق المذكور فسد النظم والتبست الطرق المؤدية إلى الغرض، واضطر القارئ إلى إعادة تركيب الأجزاء وتنسيقها حتى يحصل على صورة المعنى، وقد برزت هذه المعاني في تحليل الجرجاني لنماذج من الشعر العربي اتفق أسلافه على فسادها إلا أنهم لم يستطيعوا تحليل وجه الفساد أو اكتفوا بعبارات مجملة لا تفي بالغرض. فجميع النقاد يعتبرون بيت الفرزدق:

وما مثله في الناس إلا مملكا

... ... ... أبو أمه أبوه حي يقاربه.

فاسدًا لأن فيه معاظلة بين الكلام وتقديما على غير الوجه ولم يزيدوا على هذا التفسير شيئا. أما الجرجاني فقد بيّن فساد نظمه بالمفارقة الحاصلة فيه بين ترتيب المعاني في الفكر وترتيب الألفاظ في الذكر. (27)

يقول الجرجاني:"فانظر أيتصور أن يكون ذمه للفظه من حيث إنك أنكرت شيئا من حروفه أو صادفت وحشيا غريبا أو سوقيا ضعيفا أم ليس إلا لأنه لم يرتب الألفاظ في الذكر على موجب ترتب المعاني في الفكر فكدّ وكدّر ومنع السامع أن يفهم الغرض إلا بأن يقدم ويؤخر ثم أسرف في إبطال النظام وإبعاد المرام، وصار كمن رمى بأجزاء تتألف منها صورة ولكن بعد أن يراجع فيها باب من الهندسة لفرط ما عادى بين أشكالها وشدة ما خالف بين أوضاعها". (28)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت