إن من أهم مصادر اللبس إذن"العدول عن أصل الوضع"، بواسطة الحذف أو الإضمار أو الفصل أو تشويش الرتبة بالتقديم والتأخير أو التوسع في الإعراب، وهذا العدول إما أن يكون مطردا إذا أمن اللبس - وذلك بوجود دليل على المحذوف وضرورة التفسير عند الإضمار وما يفرض من شروط على الفصل بين المتلازمين وعلى التقديم والتأخير وهلم جرا (29) ، وإما أن يكون غير مطرد إذا خيف اللبس- فللبس دور أساسي في تصريف أحوال العدول والتصرف فيها.
4-تحكم اللبس في حفظ المراتب:
إن المصدر الذي نريد أن نقف عنده، باعتباره من مصادر اللبس الكبرى، هو التقديم والتأخير فالأصل فيه عدم اللبس، إلا أن الكاتب أو الشاعر قد يذهب مذهب التوعر فيقدم ويؤخر دون أن يراعي الأصول قاصدا اللبس والتعمية.
يقول ابن القيم معلقا على قول الشاعر:
نفلق ها من لم تنله سيوفنا
... ... بأسيافنا هام الملوك القماقم.
تقديره: نفلق بأسيافنا هام الملوك القماقم، ومن لم تنله سيوفنا و"ها"للتنبيه تقديره: تنبهوا لهذا المعنى وإنما دعاه إلى التقديم والتأخير إيقاع اللبس على السامع وجعله من باب الألغاز" (30) "
ومن وصايا النقاد للكتاب أن يتجنبوا ما يكسب الكلام تعمية فيرتبوا ألفاظهم ترتيبا صحيحا (31) ولا يكرهوا الألفاظ على اغتصاب الأماكن. (32)
أما إذا خيف اللبس وهدد القصد وأمكن للسامع أن يحمل الخطاب على غير المراد فينتقض العهد وينحل العقد وتتبدل القضية والحكم فلا مناص من إيفاء اللغة أقدارها وإحلال الكلمات محالها. (33)