ومن أطرف ما في هذا الأمر أن جماعة من النحويين لا يجيزون تقديم خبر المبتدإ عليه إذا كان معرفة (37) فلا يجيزون أن يقال:"أخوك زيد"والمراد"زيد أخوك"ومن حججهم أنه يقع الإشكال فلا يعلم السامع أيهما المسند وأيهما المسند إليه فلما عرض فيهما الإشكال لم يجز التقديم والتأخير، وكان ذلك بمنزلة الفاعل والمفعول إذا وقع الإشكال فيهما لم يجز تقديم المفعول كقولك: ضرب موسى عيسى (38) يقول السيوطي:
"فإذا كان الخبر معرفة كالمبتدإ لم يجز تقديم الخبر لأنه مما يشكل ويلبس إذ كل واحد منهما يجوز أن يكون خبرا ومخبرا عنه" (39)
بخلاف ما إذا كان معه قرينة لفظية أو معنوية فاللبس ينتفي.
فالأول نحو: رجل صالح حاضر فإن القرينة اللفظية وهي الصفة قاضية على النكرة الموصوفة بالابتدائية تقدمت أو تأخرت.
والثاني: نحو:"أبو يوسف أبو حنيفة"فإن القرينة المعنوية وهي التشبيه الحقيقي قاضية بأن"أبو يوسف"مبتدأ لأنه مشبه و"أبو حنيفة"خبره لأنه مشبه به تقدم أو تأخر (40) فلا بد أن تكون للقارئ معلومات سابقة عن كل من أبي يوسف - وهو من أشهر تلامذة أبي حنيفة- وأبي حنيفة إمام المذهب الفقهي المعروف وأن تكون لديه الكفاءة اللغوية التي تؤهله لمعرفة المحكوم به والمحكوم عليه أو المشبه والمشبه به أو المبتدإ والخبر، ففي الجملة السابقة استوى طرفا الجملة في التعريف، ومع ذلك يجوز فيها أن يتقدم الخبر"أبو حنيفة"وهو المشبه به ويتأخر المبتدأ"أبو يوسف"فتصير الجملة:
أبو حنيفة أبو يوسف لأن القرينة المعنوية وهي التشبيه الحقيقي تقضي بأن يكون"أبو يوسف"مبتدأ تقدم أو تأخر لأنه مشبه، وأن يكون"أبو حنيفة"خبرا تقدم أو تأخر لأنه مشبه به. (41)
إذن فالعنصر الدلالي يقوم- عند فقدان ما يميز الوظائف النحوية بعضها من بعض- بالتمييز بين هذه الوظائف مما يتيح لها حرية الرتبة فتقدم من تأخير أو تؤخر من تقديم . (42)