وإذا كان النحاة عللوا امتناع تقديم الفاعل بالتباسه بالمبتدإ فإنهم جوزوا تقديمه متى زال المانع، قال الأبّدي في شرح الجزولية:"ولا يبعد عندي أن يقال إن هذا الفعل يصح له العمل في الأول مقدما عليه وذلك مع أداة تطلب بالفعل... إلا أن يمنع من ذلك مانع، وذلك المانع في الفاعل هو أن يلتبس بالمبتدإ في قولك:"قام زيد وزيد قام"، (54) ثم قال:"فإذا جاء حرف لا يليه الفعل، لفظًا أو تقديرا ،أزال ذلك اللبس فصحّ أن يكون فاعلا مقدما، إن قدرت الفعل فارغا من الضمير، وفاعلا بإضمار فعل إن قدرت الفعل مشغولا بضمير،قال ابن أبي الربيع:وهذا الذي قاله الأستاذ إنما هو بناء منه على أن الفاعل لا يقدم لأجل اللبس بالمبتدإ فعلى هذا متى زال ذلك اللبس ينبغي أن يقدم (55) .
د- التباس الفاعل بالمفعول:
لابد في الجملة الفعلية من ذكر الفعل قبل الفاعل مطلقا، وأما ما سواه من بقية المتعلقات فالأصل فيها أن تتأخر عن الفعل، إلا أنها بحسب الصناعة اللفظية لا يتعين بينها وبين الفعل ترتيب مخصوص، فلك أن تقدم ما شئت منها على الفعل أو تؤخره على ما تراه مناسبا بشرط أن تحافظ على منع الالتباس وتتجنب التعقيد. (56)
فالمفعول به قد يتقدم على الفاعل وقد يتأخر عنه نحو:"ضرب زيدا عمرو"و"خرق السترَ المسمارُ"لأن ظهور الإعراب في الاسمين قد يبّين الفاعل من المفعول، فإذا لم يظهر الإعراب فيهما أو في أحدهما كقولك:ضرب موسى يحيى لم يجز التقديم والتأخير (57) لما يؤدي إليه ذلك من التباس المفعول بالفاعل. (58)
يقول ابن أبي الربيع:"وذلك أن الفاعل والمفعول إذا لم يكن في الكلام ما يدل عليهما التزمت العرب تقديم الفاعل وتأخير المفعول، فإذا قالوا:"ضرب موسى عيسى"ولم يكن معهم ما يدل على الفاعل علمت أن المقدم هو الفاعل إذ لم تكن العرب لتقدم المفعول بغير دال على ذلك لما في ذلك من نقض الغرض . (59) "