وذهب الفراء (ت 204هـ) وأبو عبيدة (ت209هـ) إلى أن المثل يراد به المثل بمعناه العام، أو يراد به التشبيه وما يتصل به من تمثيل (47) ، كما استعمل الجاحظ (ت 255هـ) "المثل"بمعنى الاستعارة ، فقال في معرض حديثه عن قول الشاعر."هم ساعد الدهر الذي يتقى به"."قوله هم ساعد الدهر"إنما هو مثل ، وهذا الذي تسميه الرواة البديع"و"ساعد الدهر"في البيت استعارة أو تشبيه بليغ (48) ."
ويؤكد ابن فارس (ت395هـ) ما في المثل من السمات المجازية القائمة على التشبيه والمماثلة والتورية، فيقول:"المثل، المثل...، والمثل المضروب مأخوذ من هذا ، لأنه يذكر مورّى به عن مثله في المعنى" (49) .
وألمح الميداني (ت516هـ) إلى ما يتسم به المثل من التمثيل والتشبيه، بكلام مقتضب مزج فيه بين الملامح اللغوية والملامح البلاغية للمثل، فقال:"فالمثل ما يمثل به الشيء، أي يشبه... فصار المثل اسما مصرحا لهذا الذي يضرب، ثم يرد إلى أصله الذي كان له من الصفة" (50) .
وظل المثل عند البلاغيين مرتبطا بالتشبيه، وما يتصل به من استعارة أو تمثيل، فقال الرازي (ت606هـ) :"المثل تشبيه سائر"، وقال في موضع آخر:"المثل قول يشبه به حال الثاني بالأول" (51) . وقال الطوسي (ت460هـ) في حمل المثل على الاستعارة أو التشبيه البليغ، أو التمثيل، بقوله:"والتشبيه في الأمثال لما يحتاج إليه من البيان، هو على وجهين: أحدهما ما تظهر فيه أداة التشبيه، والآخر مالا تظهر فيه" (52) .
وقد اعتنى هؤلاء العلماء بالمثل بوصفه تعبيرا للإيضاح والمشابهة- ولو من بعض الوجوه- بين الخفي والجلي، والمعنوي والمحسوس، ويبرز الراغب الأصفهاني (ت502هـ) سمة المشابهة بين مورد المثل ومضربه، فيقول:"المثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في آخر، بينهما مشابهة، ليبين أحدهما الآخر ويصوره. نحو قولهم: الصيف ضيعت اللبن"فإن هذا القول يشبه قولك:"أهملت وقت الإمكان أمرك" (53) .