الصفحة 130 من 205

وقد مزج البلاغيون بين المثل والتمثيل، فقد مال عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) إلى توحيد مفهوم كلمتي المثل والتمثيل، لأنهما يدلان على معنى واحد، فيقول:"إن كل ما لا يصلح أن يسمى تمثيلا فلفظ المثل لا يستعمل فيه" (61) . فهو يعتبر المثل والتمثيل شيئا واحدا منتزعا من مجموعة تشبيهات عالقة بمواضع متعددة، وبضم بعضها إلى بعض يحدث تشبيه مركب، من خلال امتزاج عدة صور في إحداث صورة واحدة، فيكون سبيل الشيئين يمزجان، فيكونان حقيقة تمثيلية موحدة، لا تدرك بانفصالهما، لأنها تحصل من توافر عدة جمل وعبارات، فيقول"إن المثل الحقيقي والتشبيه الذي هو الأولي بأن يسمى تمثيلا، لبعده عن التشبيه الظاهر الصريح، ما تجده لا يحصل لك إلا من جملة من الكلام، أو جملتين، أو أكثر" (62) . وكأن الجرجاني يجعل المثل يختلط بالتمثيل بصورة يصعب التفريق بينهما. وممن ذهبوا إلى هذا الرأي في تطابق مصطلحي التمثيل والمثل أبو البقاء الكفوي، حيث يقول:"ويسمى الكلام الدائر في الناس للتمثيل مثلا ؛ لقصدهم إقامة ذلك مقام غيره" (63) .

ويفرق الجرجاني (ت471هـ) بين التشبيه والتمثيل الذي هو المثل، من حيث إن التمثيل تشبيه في الأصل، غير أن تشبيه شيء بشيء آخر يكون عنده على ضربين"أحدهما أن يكون من جهة أمر بين لا يحتاج فيه إلى تأول، والآخر أن يكون المثل متصلا، بضرب من التأول" (64) فما حصل بلا تأول أو تخيل فهو التشبيه عنده ومعنى ذلك أن الشبه موجود في المشبه به في وضوح وإبانة دون ضم شيء آخر إليه، وكان الشبه نتيجة لامتزاج صورة بصورة واحدة أو بصورة متعددة، ولتداخل معنى بمعنى، أو بمعان متعددة، يكون في ضمهما وجمعهما حصول الشبه المراد مركبا في المشبه والمشبه به، ولا يحصل ذلك إلا بضرب من التأول والتخيل، فالكلام تمثيل، وهو لديه المثل، وهنا يتجلى معنى قوله:"فكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلا" (65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت