أدبية الأمثال والعناية بها في النثر العربي القديم:
أشار العديد من علماء الأمثال القدماء، والباحثين المحدثين إلى أن الأمثال نوع أدبي قائم بذاته سواء ما جاء منها منثورا أو منظوما، له عناصره المميزة، وسماته المحددة التي أسلفناها في تعريفاته.
والمثل في الأصل نمط شفاهي من أنماط الأدب، وهو تراث شعبي لا يعرف قائله على وجه التحديد، رغم أن كتب الأمثال العربية قد عزت أعدادا منها إلى أشخاص ذوي مكانة دينية أو اجتماعية أو سياسية أو فكرية، فإذا ما استثنينا أمثال القرآن، وأمثال الحديث النبوي الشريف، والأمثال الشعرية، وبعض الحكم، وربما بعض أمثال الكتاب المقدس، فما عدا ذلك من الأمثال فقد نشأت عن لا وعي شعبي وبطريق الصدفة غالبا، ثم طارت بها الألسن عبر الأجيال، حتى دونت في كتب الأمثال والأدب، ولا شك أنها بقيت تتداول مشافهة خارج إطار التوثيق الكتابي، عرضة للتحوير والتبديل في شكلها، وإن ظلت إلى حد ما محافظة على ما عبرت عنه من هموم الإنسان وتجاربه بصوت جمعي شعبي. ولا أظن أننا نحتاج إلى معرفة قائلها الأول لنتداولها ونستشهد بها، ويبدو أن بعض من نسبت لهم هذه الأمثال كانوا ممن يحفظونها، أو يحسنون الاستشهاد بها في كلامهم، وليسوا هم الذين أرسلوها أصلا. فالمثل بطبيعته لا يتطلب علمًا، ولا خيالا واسعا، ولا تفكيرا عميقا، وإنما مصادفة التقاء تعبير موجز بليغ، بتجربة حية، في شأن من شؤون الحياة المتكررة، أو إحدى خبراتها (75) .