الصفحة 134 من 205

وقد خلط طه حسين في تحامله على النثر الجاهلي بين المستوى الشفاهي للمثل، ومستواه الكتابي، فقال:"والأمثال بطبيعتها أدب شعبي مضطرب متطور، يصح أن يؤخذ مقياسا لدرس اللغة، ومقياسا لدرس الجملة القصيرة، كيف تتكون، ومقياسا لنوع خاص للعبث بالألفاظ والمعاني" (76) . فقد انطلق طه حسين في حكمه هذا من خلال ربطه نشوء النثر الفني بانتشار الكتابة والتدوين من ناحية، ومن ناحية أخرى حكم على النثر الفني بمقدار اقترابه من الصناعة القائمة على الزخرفة المعتمدة لذاتها فدمج بين مفهوم الفنية الأدبية والتصنع المتكلف، وكأنه يحصر الإبداع الفني في الفرد المبدع، ويستبعد إمكان الإبداع الجماعي العفوي الذي تقوم عليه الأمثال في الغالب.

ويشير ابن المقفع (ت143هـ) إلى قيمة المثل الأدبية وجمالياته التعبيرية والبلاغية عامة، فيقول:"إذا جعل الكلام مثلا، كان أوضح للمنطق، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث" (77) .

وقد أيده أبو الحسين بن وهب الكاتب في ذلك، مؤكدا ما للمثل من سمات بيانية، جعلت منه مادة محببة لدى الناس عامة، ولدى الحكماء والعلماء خاصة، فتوسل الناس باستخدامهم الأمثال في تعبيرهم ليبينوا لبعضهم تصرف الأحوال بالنظائر والأشباه فقال:"فأما الحكماء والأدباء فلا يزالون يضربون الأمثال، ويبينون للناس تصرف الأحوال، بالنظائر والأشباه والأشكال؛ ويرون هذا النوع من القول أنجح مطلبا، وأقرب مذهبا... فلذلك جعلت القدماء أكثر آدابها وما دونته من علومها بالأمثال والقصص عن الأمم ونطقت ببعضه على ألسن الوحش والطير" (78) .

ويشير ابن عبد ربه (ت327هـ) إلى تمايز الأمثال بين الأنواع الأدبية الأخرى، فيصفها بأنها"وشي الكلام، وجوهر اللفظ، وحلي المعاني، تخيرتها العرب، وقدمتها العجم، ونطق بها في كل زمان، وعلى كل لسان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عم عمومها، حتى قيل أَسْيرَ من مثل" (79) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت