ولا نود أن نسترسل أكثر من هذا القدر في عرض مختلف الأوزان التي قلنا عنها إنها تفوق الألف، والذي نريده بالسرد الذي قمنا به هو التنبيه أو التذكير بعظمة خطورة الأوزان في اللغة العربية. وكيف لا وهي منها تتكون بنيتها، فالأوزان بالنسبة للغة الضاد بمثابة الهيكل العظمي لجسم الإنسان. فكلام العرب كله موزون أوزانا وظيفية تجعل لغتهم منظمة، ومقعَّدة، ومصنفة تصنيفا منطقيا جماليا دلاليا كأنهم قدروها تقديرا قبل أن يتكلموها، فكأنهم اجتمعوا في أكاديمية لغوية اجتماعات عديدة لم ينفضّوا منها حتى اتفقوا على قواعدها وتحديد صيغ أوزانها، وتخصيص كل منها للدلالة على فئة متجانسة من أشياء أو أعمال أو أحوال أو مفاهيم مادية ومعنوية... الشيء الذي لا تستطيع ولن تستطيع أن تفعل مثله ولا قريبا منه، أكاديميات الدول المتزعمة الحضارة في هذا العصر. لكنه صنع الله الذي أتقن كل شيء قد هيأها لتحتضن وحيه ورسالته العالمية الموجهة إلى جميع البشر في جميع العصور على مرّ الدهور، مما جعل المفكر الفرنسي الحانق على العرب والإسلام "إرنست رينان" يتعجب فيقول في كتابه (تاريخ اللغات السامية) :
"من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية، وتبلغ درجة الكمال، وسط الصحاري عند أمة من الرحَّل، تلك التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها، ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، ولم يعرف لها في كل أطوار حياتها طفولة ولاشيخوخة. ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها، وانتصاراتها التي لا تبارى، ولا نعرف شبيها لهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج، وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة، وهذه ظاهرة عجيبة، لاسيما إذا اعتبرنا مدى مساهمة الفلسفة الإسلامية في تكوين علم الكلام، خلال القرون الوسطى، والدور الذي قام به في ذلك كل من ابن سينا، وابن رشد، وما كان لهما من تأثير على أشهر مفكري المسيحية" (7) ."