فهرس الكتاب
وتصبح المسألة تعقيدا في صيغة (فاعَل) إِذ لا يلزم فيها حرف العطف على نحو قولنا: (ضارب زيد عمرا) حيث يرفع (زيد) على أنه فاعل، وينصب (عمرو) على أنه مفعول به. ولكن ألا يحتمل أن يكون (عمرو) فاعلا كذلك، بمعنى أنه إِذا ضاربه زيد، ألا يرد عليه الضرب بالضرب، فإِن لم يكن فاعلا بهذا المعنى، ألا يكون فاعلا بالمعنى السلبي؟ يعني بعدم الرد على الضرب بالضرب، ولكن بالدفاع عن نفسه بيديه، أو بأي وسيلة؟ فهو فاعل في كلا الحالين، لأنه يقوم بفعل معين، وكذلك الأمر في (زيد) إِذ يحتمل أن يكون مفعولا به. والدليل على احتمال كون (عمرو) مشتركا مع (زيد) في الفاعليهَ ما نقله ابن هشام من تجويز بعض النحويين رفع نعت (عمرو) في نحو: (ضارب زيدٌ عمرا الجاهلُ) لأنه نعت المرفوع في المعنى، ولأن كليهما مشتركان في إِيجاد الفعل، (16) فلولا تضمن (عمرو) معنى الفاعلية لما صح رفع نعته. هذا ويصح في (الجاهل) أن يكون نعتا مقطوعا إِلى الرفع في ذم على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو) .
والمسوغ الذي اعتمده النحاة في تخصيص (زيد) بالفاعلية، مسوغ وضعي يعتمد على فكرة الإِسناد الذي تواضعوا عليه في تعريفهم الفاعل بأنه الاسم المرفوع المسند إِليه فعل على طريقة فعل أو شبهه. (17) أو بأنه ما أسند إِليه عامل مفرغ على جهة وقوعه منه أو قيامه به. (18)
ويرى الرضي الأستراباذي أن صيغة (فاعل) تأتي لنسبة المشتق منه إِلى أحد الشيئين،"وذلك أنك أسندت في (ضارب زيد عمرا) أصل ضارب- أي الضرب- إِلى (زيد) ، وهو أحد الأمرين، أعني زيدا وعمرا". (19)
ومهما يكن من أمر فإِن ص ذ ا المسوغ يصادم المعنى في صيغة (فاعل) - كما سلف- لأنه مسوغ قائم على الصناعة النحوية البحتة، من غير نظر دقيق إِلى دلالة التركيب.