الصفحة 53 من 205

وقد يظهر لنا مسوغ آخر لتخصيص (زيد) بالفاعلية دون (عمرو) ، ذلك هو دلالة السياق على مبادرة (زيد) بالفعل، خلافا لما ذهب إِليه الرضي من إِنكار هذا الاحتمال بقوله:"وليس كما يتوهم من أن المرفوع في باب (فاعَل) هو السابق بالشروع في أصل الفعل على المنصوب". (20)

وسواء اتفقنا مع الرضي في قضية المبادرة والشروع أم اختلفنا، فإِن ذلك لا ينفي كون (عمرا) في الجملة السابقة فاعلا في المعنى على النحو الذي سلف بيانه.

وتبقى المشكلة قائمة، لها حل ظاهري قديم لا يتجاوز اللفظ، وذلك بالقول إِن المرفوع فاعل والمنصوب مفعول به، أو القول بوجوب الترتيب الأصلي في الجملة الفعلية،بحيث يكون الأول فاعلا والثاني مفعولا به لأن التركيب فيه لبس.

وبهذا يكون المعنى على حاله من الاضطراب والتأرجح بين الفاعلية والمفعولية. وهذه حقيقة يجب التسليم بها، لأن طبيعة الأفعال التي تدل على المفاعلة فيها اشتراك في القيام بالفعل من قبل طرفين، وفيها اشتراك في وقوع الفعل على الطرفين كليهما.

والحقيقة أن هذه المسألة شغلت القائلين بأن الرفع علم الفاعلية والنصب علم المفعولية، ولكنهم لم يتنازلوا عنها رغم ما اعترضهم من إِشكالات في بعض النصوص، ومنها قول أوس بن حجر في وصف حمار وحشي يسوق أتانه:

تُواهِقُ رجلاها يداها ورأسُهُ

لها قَتَبٌ خَلْفَ الزَمِيلةِ وادِفُ

ومعنى البيت أن هذه الأتان تكاد رجلاها تسبق يديها لشدة سرعتها، ورأس الحمار أصبح كالقتب لها لملازمتها إِياها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت