فهرس الكتاب
ويتبين من هذا كله أن سبب الإشكال في البيت هو الغموض الذي اعترى المعنى من فعل (المواهقة) ، لأنه (مفاعلة) تقتضي مشاركة الفاعل والمفعول في القيام بالفعل، وذلك مما أوقع النحاة في اختلاف إِعراب (اليدين) ، أهو فاعل مرفوع؟ أم أنه مفعول به منصوب؟ وقاد هذا الخلاف بينهم إِلى خلاف آخر في الضمير المتصل باليدين، أهو مؤنث يعود على الأتان؟ أم أنه مذكر يعود على الحمار؟
ومثل هذا الشاهد قول الشاعر: (29)
قَدْ سالَمَ الحَيّاتُ منه القَدَما
الأفْعُوانَ والشجاعَ الشَّجْعَما
يصف راعيا بخشونة قدميه وغلظ جلدهما، فالحيات لا تؤثر فيهما. والبيت من شواهد سيبويه، استشهد به على إِضمار فعل الناصب للأفعوان معللا ذلك بقوله:"لأنه قد علم أن القدم ها هنا مسالِمة، كما أنها مسالَمة، فحمل الكلام على أنها مسالمة". (30)
ونقل محمد بن جعفر التتميمي توجيها آخر في البيت هو"أن قوله: (القدما) يريد به (القدمان) ، وأنهما فاعلان، وأن (الشجاع) و (الافعوان) مفعولان، ولكن أسقط النون، كما أسقطها في قوله:"
أَبَنِي كليب إِن عَمَّيَّ اللَّذا
قَتَلا الملوكَ وفَككا الأغْلالا (31)
ثم رد هذا التوجيه بحجة أن حذف النون من الاسم الموصول- في هذا البيت- حسن لطول الاسم، ولا يجوز فيما تقدم، (32) يعني في (القدما) .
وهذا التوجيه منقول عن الكوفيين، كما صرح به
ابن جني. ولهم فيه عدة شواهد غير ما ذكره التميمي. والرواية عندهم على هذا بنصب (الحيات) ، لأنهم ذهبوا إِلى أن الشاعر أراد القدمان فحذف النون، (33) على نحو ما تقدم.