فهرس الكتاب
وهكذا تتداخل الفاعلية والمفعولية في الأفعال الدالة على المشاركة، مما يؤدي إِلى إِشكال ظاهر في القاعدة النحوية لدى المتلقي، ويكون الفيصل في رفع الغموض عن التركيب- عندئذ- مراعاة المعنى ًا كثر من التمسك بالقواعد-النحوية، فيسلم المعنى، ويفهم من التعبير الفاعلية من طرفين والمفعولية من طرفين في آن واحد.
ثانيا: التنازع في نحو (ضربت وضربني زيد)
و (ضربني وضربت زيدا) ، حيث يفهم من زيد معنى الفاعلية والمفعولية معا في الجملتين، ومع ذلك فقد رفع في الجملة الأولى ونصب في الثانية. ومثل هذا التركيب يفرض على الكلام تداخلا بين الفاعل والمفعول من حيث المعنى، وإن كان التداخل مفسرا في الصناعة النحوية. وقد سبق إِلى بيانه سيبويه، فعقد له عنوانا قال فيه:"هذا باب الفاعلَيْن والمفعوليْن اللذين كل واحد منهما يفعل بصاحبه مثل الذي يَفْعَل به"، (36) وهذا العنوان فيه دلالة واضحة على التداخل بين الفاعل والمفعول. وربما قصد إِليه سيبويه قصدا، ولم يطلق عليه باب التنازع الذي عرف به فيما بعد.
وفسر سيبويه هذا التداخل في موقع (زيد) في الجملتين بقوله:"تحمل الاسم على الفعل الذي يليه، فالعامل في اللفظ أحد الفعلين، وأما في المعنى فقد يعلم أن الأول قد وقع [- أي وقوع الفعل الأول على المفعول من جهة المعنى-] إلا أنه لا يعمل في اسم واحد نصب ورفع، وإنما كان هذا الذي يليه أولى لقرب جواره، وأنه لا ينقض معنى، وأن المخاطب قد عرف أن الأول قد وقع بزيد .)" (37)
وهذا تفسير صناعي، ولكنه لا يغفل المعنى، بل ينص سيبويه في موضع آخر على أن"الفعل الأول في كل هذا مُعْمَل في المعنى، وغير مُعْمَل في اللفظ، والأخر مُعْمَل في اللفظ والمعنى ." (38)
وهذا الذي ذهب إِليه يه ميبويه من أن العامل النحوي في باب التنازع هو الفعل الثاني لقربه هو الذي أخذ به البصريون من بعده، خلافا للكوفيين الذين أعملوا الأول لسبقه." (39) "