فهرس الكتاب
ويظهر من هذا كله أن (زيدا) في البنية العميقة للجملتين فاعل ومفعول به في المعنى في آن واحد، ولكن العامل هو الذي يقرر الفاعل والمفعول نحويا، وعليه يجري تحديد العلامة الإِعرابية.
ثالثا: وكذلك يقع مثل هذا التداخل بين الفاعل والمفعول- بالنظر إِلى أصل المعنى- في أفعال المطاوعة من صيغ مختلفة منها (انْفَعَل) و (تَفَعَّل) و (فَعَل) نحو اندفع وانكسر وانزعة وتعلم وتشرد وتدحرج وغيرها.
"ومعنى المطاوعة أن تريد من الشيء أمرا ما فتبلغه، إِما بأن يفعل ما تريده، إِذا كان مما يصح منه الفعل، وإما أن يصير إِلى مثل حال الفاعل الذي يصح منه الفعل، وإن كان مما لا يصح منه الفعل." (40)
وقال الصبان:"المطاوعة قبول فاعل فعل أثر فاعل فعل آخر يلاقيه اشتقاقا. وإن شئت قلت: حصول الأثر من الأول للثاني، مع التلاقي اشتقاقا." (41) .
ومثل هذه الأفعال لا تحتاج إِلى مفاعيل لأنها لازمة في أصلها ولكن التعدية مفهومة منها معنى لا لفظا، وذلك باعتبار أن كل فعل من هذه الأفعال المطاوعة له أصل، وهو يطاوع أصله بإِرادة الفاعل، فإِذا قلت: (اندفع زيد) ، فأصله (دفعت زيدا فاندفع زيد) . فدفع فعل متعد وفاعله التاء، وأثره الاندفاع، ومفعوله (زيد) . و (اندفع) فعل لازم وفعاله (زيد) ، فزيد على هذا فاعل ومفعول به لو اعتبرنا بالمعنى وباللفظ على السواء رجوعا إِلى أصل الفعل. وكذلك إِذا قلت: (علمتُ عمرا فتعلم عمرو) ، و (مددت الحبل فامتد الحبل) ، فعلمت فعل متعد وفاعله التاء، وأثره التعلم، وتعلم لازم وفاعله (عمرو) ، وقد قوع عليه أثر العلم وهو التعلم.
وكل من (زيد) في المثال الأول، و (عمرو) في المثال الثاني، و (الحبل) في المثال الثالث فاعل ومفعول، على النحو الذي تبين. ولكن الألفاظ الثلاثة مرفوعة على الفاعلية، مراعاة للفظ الفعل، فلم لم تنصب على المفعولية، مراعاة للمعنى المفهوم من أصل الفعل المطاوع؟
والجواب أن النحاة لا يلتفتون في صَناعتهم