وعندما نمثل بالآية القرآنية: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ والَّذين مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ } (24) ، فالجملة الثانية وهي قوله تعالى: { وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدَّاءِ عَلَى الْكُفَّارٍ } ، معطوفة على الجملة التي قبلها ولا يوجب الشركة في الرسالة التي هي خبر للجملة الأولى، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن. فالمعقول في هذه المسألة أن الأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه، ولا يشارك الكلام الأول فيه، وإن كان معطوفا عليه بحرف الواو. يقول السمرقندي:"إن واو العطف يقتضي الشركة في بعض الأحوال لا على الإطلاق، لكن لا نسلم . فما قولكم إنها تقتضي الشركة إذا دخلت على الجملة الناقصة أو على الجملة الكاملة؟ فإن قلتم في الجملة الناقصة فمسلم، وإن قلتم في الجملة الكاملة فهو موضع النزاع وفي المسألة إشكالات" (25) .
فمعرفة معاني العطف لا يكفي فيها تحديد الأحكام العامة للعطف في علاقته بالمعطوف بأنه يفيد المشاركة، بل هناك ظواهر أخرى تقتضي النظر ومد التأمل في إدراك العلاقة الرابطة بين التركيبين وفق المعاني المحصلة. وتحديد هذه المعاني بطبيعة الحال كان محل نزاع لغوي أصولي. فعندما نبحث في دور معاني حروف العطف في التعلق داخل الجمل التامة، نجد هناك خلافا أصوليا مرده إلى تحديد معنى الحرف في التركيب بين الجزأين: ففي الجملة:"زينب طالق ثلاثا وعمرة طالق". (فعمرة) تطلق واحدة وكل واحد من الكلامين جملة تامة أي يتكون من تركيبين (مبتدأ + خبر) ، والرابط بينهما وهو (الواو) .
فذهب بعض الحنفية كما ذكر السرخسي، إلى أن معنى الربط في هذه الجملة هو (الابتداء) ، حيث قال:"فالواو بينهما عند بعض مشايخنا لمعنى الابتداء حيث يحسن نظم الكلام" (26) . وقد قاسوا على هذا المعنى قوله تعالى:
- { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } (27) .
- { وَ يَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ } (28) .
- { وَ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ } (29) .