فهرس الكتاب
لقد مر بنا أن"جُزارة" (من جزر) تعني: أطراف ما يجزر أي اليدان والرجلان. و لما كانت هذه الأطراف تعطى للجزار أجرة له فقد أطلقت"جُزارة"على سبيل التوسيع الدلالي على كل ما يعطى للجزار أجرة له. وشيئا فشيئا خبت السمة الدلالية:"مايعطى للجزار"وبقيت السمة"أجرة". وهذا التطور في دلالة اللفظ"جُزارة"اقترن بتطور الصيغة التي سبك فيها وهي"فُعالة". فلما خبت السمة المُحِيلة على الحقل الدلالي"جزر+جزار..."ورجحت السمة الدالة على"الأجرة"بدت"فُعالة"في بعض استعمالاتها وكأنها لاتفيد إلا معنى"الأجرة". وعندئذ أمكن نقلها على سبيل الاستعارة إلى الحقل الدلالي الذي يفيد"الأجرة"وإن لم تكن له علاقة"بالجزر". فقيل"جُعالة"لما يعطى لعامل إذا حارب؛ و"عُمالة": أجرة العامل ؛ و"عُمارة": أجرة العمارة.
والنتيجة التي نستخلصها مما تقدم هي أن تطور دلالات الألفاظ عن طريق التداول والاستعمال قد يفضي إلى تطور الصيغ الصرفية التي بنيت عليها هذه الألفاظ. وهذا دليل على التفاعل المستمر بين"اللسان" (langue) و بين"الكلام" (parole) .
ونختم هذا البحث المقتضب بجملة من الملاحظات والاستنتاجات:
-"فُعالة"تدل في الغالب على معان حسية لكنها قد تفيد أيضًا بالتوسع الدلالي معنى مجردا، كما في"حشاشة".