مقدمات في علم التخريج
الحمد لله الذي منّ على من يشاء بطلب العلم الشرعي وذلك فضل الله يأتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وصلى الله وسلم على القائل"من يرد الله به خيرا يفقه في الدين"وعلى آله وصحبه الذين تعلموا العلم في كبر سنهم حرصا على طلبه ونيلا لفضله؛ وبعد:
فيطيب لي في مقدمة هذه الدروس العلمية التطبيقية في التخريج ودراسة الأسانيد أن أرحب بإخواني الحضور وكذلك جميع الإخوة المشاهدين وأسأل الله عز وجل بمنّه وكرمه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح كما أسأله سبحانه التوفيق والسداد والإعانة فلا حول ولا قوة لنا إلا به سبحانه وتعالى، ولعل من المناسب في بداية هذه الجلسة أن نذكر بعض المقدمات الموجزة النافعة لطالب العلم خاصة ونحن نرى ولله الحمد والمنة يقظة علمية من لدن شباب الأمة في جميع البلدان والأقطار، لم تمنعهم أوضاع الأمة الإسلامية التي يعرفها الجميع من الحرص على طلب العلم الشرعي وإنّ في هذا الجيل المقبل على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم علما وتعليما وتدبرا وفهما وحفظا عوضا يستبشر به المسلم، ويعلم علما لا يختلجه شك أن النصر والمستقبل لهذا الدين، كما قال الله تعالى في كتابه: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) وقال سبحانه في موضع آخر: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتمّ نوره ولو كره الكافرون) ، وإنه أيها الإخوة الكرام مهما بذل أعداء الدين والملة من جهد ومال في سبيل الدعوة إلى أفكارهم وكسب عقول الضعفاء يبقى هذا الدين شامخا معتزا بأبنائه المخلصين في كل وقت وحال كما قال تعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلبون والذين كفروا إلى جهنم يُحشرون)
ومع كل ما تقدم أيها الإخوة الكرام يبقى أن هذه الصحوة العلمية المباركة المقبلة على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا بد من تعاهدها وسقيها من لدن العلماء والمربين والدعاة كلٌّ على قدر استطاعته.
فمن المقدمات النافعة لطالب العلم:
• المقدمة الأولى: في ذكر بعض صفات طالب العلم الصادق.
يا إخوان طالب العلم في مسيرته إلى الله عز وجل في هذه العبادة العظيمة يحتاج إلى صفات تساعده على نيل مطلوبه العلم الشرعي، فمن الصفات العظيمة:
الصفة الأولى: الإخلاص لله عز وجل
بأن يكون قصد طالب العلم بطلبه العلم وجه الله والدار الآخرة، وذلك لأن طلب العلم الشرعي عبادة والعبادة لا بد لقبولها من الإخلاص، كما قال الله عزوجل: (وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، وقال تعالى:(ألا لله الدين الخالص) وهنا لعلي أسأل الإخوة الحضور سؤالا: وهو لماذا الإمام البخاري رحمه الله افتتح صحيحه بحديث: (إنما الأعمال بالنيات) معلوم أن الإمام البخاري رحمه الله ما افتتح صحيحه بمقدمة وهذا منهج لغالب المحدثين ما افتتحوا عدا الإمام مسلم وهذا منهج الإمام مسلم يتميز بوضع مقدمات لكتبه كما في صحيحة وكتاب التمييز وغيره، لكن الإمام البخاري لم يفتتح صحيحه بمقدمة، إنما اكتفى بالمقدمة بكتاب باب بدء الوحي ثم ذكر حديث إنما الأعمال بالنيات وهنا تكلم شراح صحيح البخاري لماذا افتتح الإمام البخاري صحيحه بحديث إنما الأعمال بالنيات؟، ما هي النكتة؟ ولعله يظهر على الشاشة هذا الحديث، الذي قال فيه البخاري:
فما هو السر في أن الإمام البخاري افتتح صحيحه بهذا الحديث؟
الحضور: لعل الإمام البخاري رحمه الله يذكر نفسه ويذكر القارئ من يقرأ صحيحه بالإخلاص لله تعالى.
الشيخ: هذه أقرب الأقوال في هذا، لأن مناسبة الحديث لكتاب بدء الوحي لا يوجد مناسبة ظاهرة فالذي مال إليه المحققون أن الإمام البخاري يُذكّر القارئ بالإخلاص، وهذا أقرب الأقوال في النكتة، بأن الإمام البخاري افتتح صحيحه بحديث إنما الأعمال بالنيات.
ومن الأحاديث العظيمة في باب الإخلاص، حديث آمل من طلبة العلم أن يستشعروه، حديث عظيم أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن [انتبهوا لهذه النقطة يا إخوان] فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل [نال مطلوبه في الدنيا نسأل الله العافية] ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار".
وكان معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه- الصحابي الجليل إذا سمع هذا الحديث بكى حتى غشي عليه ثم يقول: صدق الله ورسوله؛ (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نُوفِّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) .
الحضور: طيب يا شيخ؛ من قال أن طلب العلم يمازجه رياء والرياء معصية كبيرة جدا ولهذا فالأفضل أن نترك طلب العلم حتى لا يمازجه رياء، فما نستطيع أن نقول في هذه المقولة؟
الشيخ: الحقيقة، يقول بعض طلبة العلم: أنا أحس أني مرائي، فيترك طلب العلم -نسأل الله السلامة والعافية-من أجل هذه الشبهة، وأنا في رأيي الشخصي أن هذه تعتبر مدخل من مداخل الشيطان على طالب العلم، فطالب العلم المخلص له علامات والمرائي له علامات، فلا بد أن تستشعر هذه المظاهر وهي مظاهر الرياء هل هي متوفرة فيك أم لا؟، مثل مظاهر الرياء التي تدل على عدم الإخلاص: حب طالب العلم الظهور والشهرة والتصدر، ربما يغضب إذا لم يُصدّر في المجالس ويتكلم في الآخرين ويقدحهم فهذه من علامات المرائي، أو طلب الجاه أو المال، هذه المظاهر إذا شابت نية طالب العلم فعليه أن يراجع نفسه، لا أقول يترك العلم لكن يراجع نفسه ويصلح نيته كما كان ديدن السلف في هذا الباب، فهذه علامات ومستحيل أن يقول إنسان لا أعرفها، فهي علامات ظاهرة بإمكان طالب العلم أن يميزها، يميز المظاهر التي تدل على عدم إخلاصه.
ومن جميل ما وقفت عليه، كلمة جميلة جدا لإبراهيم بن الأدهم الزاهد العابد المشهور وهو ثقة عند المحدثين: ما صدق اللهَ عبدٌ أحب الشهرة. فالمطلوب من طالب العلم أن يجاهد نفسه على الإخلاص (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) هذا الأمر الأول: الإخلاص لله عز وجل.
الأمر الثاني: العمل بالعلم. وقد ذم الله من لا يعمل بعلمه، بل وأخبر أن علمه وبال عليه، كما قال تعالى في سورة الأعراف: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) ، انظر هذا رجل شهد الله عز وجل أنه آتاه العلم ولكن العلم أصبح وبال عليه لأنه لم يعمل به، أخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولذلك حث سلفنا الصالح على العمل بالعلم، في كلمات جميلة جدا قالها أئمة الحديث، منها كلمة جميلة جدا للإمام الحافظ سفيان الثورى وهو معدود من أحفظ الأمة وهو متوفي ، يقول: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، هذه كلمة مشهورة. وقال جماعة من السلف منهم الشعبي ومنهم وكيع بن الجراح: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به. والحق أن سير السلف في العمل بالعلم عجيبة جدا لا تُمل قراءتها وسماعها ولكن ليس هذا موضع ذكر هذه السير، وقد أفرد الإمام الخطيب البغدادي رسالة بعنوان (اقتضاء العلم العمل) رسالة جميلة جدا للخطيب البغدادي أنصح كل طالب علم أن يقرأها، وكذلك للإمام الحافظ ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) له كلام جميل جدا على العمل بالعلم، أنصح بقراءة هذين الكتابين، أنا أريد من الإخوة الحضور وكذلك المشاهدين أي كتاب أقوله أن يُقيّدوه، فنحن في إلقائنا والإخوة والمشايخ في إلقائهم فهم يقطعون المشوار عليك، فجيد أن تقيد الكتب التي ننصح بقراءتها واقتنائها.
الصفة الثالثة والأخيرة التي أنصح طالب العلم بها: ترك المعاصي، فإن للمعاصي أثرا كبيرا في نسيان العلم، فالعلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ هذا النور، وللصحابي الجليل عبد الله بن مسعود كلمة جميلة يقول فيها: إني لأحسب الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها. وقال رجل للإمام مالك بن أنس: يا أبا عبد الله هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟ [كثيرا ما يسألون طلبة العلم أنا أريد أن أكون حافظ فما السبل؟] فقال مالك: إن كان يصلح له شيء فترك المعاصي. ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي الإمام مالك يقرأ عليه، أُعجب الإمام مالك بعلم الشافعي لما رأى من ذكائه ونبوغه وسرعة بديهته، فقال له: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظُلمة المعصية. [انظر الكلام الجميل] . وقال الشافعي في الأبيات المشهورة له:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يُهدى لعاصي
ورأينا من طلبة العلم من أُنسِي شيئا من العلم بسبب ارتكابه للمعصية، ولكن فضل الله واسع إذا تاب من تاب تاب الله عليه، كلنا خطّاء وخيرُ الخطائين التوابون. هذا ما يتعلق بالمقدمة الأولى في صفات طالب العلم الصادق.
• المقدمة الثانية التي أحب أن أقدمها بين يدي البرنامج: في فضل الإسناد وأهميته؛
لأن كل دروسنا في هذا البرنامج تدور حول الإسناد وتخريجه والكلام على رجال الحديث فناسب أن نذكر فضل الإسناد، وقبل أن نبين أهمية الإسناد، لا بد من بيان المراد من الإسناد، لأنه يا إخوان بعض المشاهدين لا يعرف ما المراد بالإسناد، فناسب أن نبين ما هو الإسناد وما المراد به، لأن هذا البرنامج في هذه المرحلة موجه للمبتدئين.
فعندنا هذا الإسناد الذي سيظهر على الشاشة.
الشيخ: متن الحديث هو؟
الحضور: متن الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الذي تفوته صلاة العصر، كأنّما وُتر أهلَه ومالَه".
الشيخ: هذا يسمى متن الحديث، دائم في دروسنا أيها الإخوة الكرام إذا قلنا متن الحديث نقصد كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أو ما ينتهي إليه الإسناد. أما إسناد الحديث؟
الحضور: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
الشيخ: هذا يسمى إسناد الحديث، وهي سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن، كلما إسناد في دروسنا فإننا نقصد هذا الإطلاق: سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن. عندنا أيضا صحابي الحديث أو أحيانا نظلق عليه الراوي الأعلى، من هو؟
الحضور: صحابي الحديث هو عبد الله بن عمر.
الشيخ: نعم هو صحابي الحديث ونافع يكون تابعي. سيأتي الكلام على هذا بالتفصيل إن شاء الله، فقط أحببت أن أقدم بمقدمة تبين ما هو الإسناد الذي نتحدث عنه، هذا الإسناد أيها الإخوة الكرام كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقي الكلام للصحابة فينقلون الصحابة أفعال النبي وأقواله إلى التابعين والتابعون يبلغونها إلى من بعدهم .. إلى آخره، هذا يسمى الإسناد. والذي أريد أن أبينه هنا أن الإسناد هذا خصيصة لهذه الأمة، لا يوجد عند أمة من الأمم شيء اسمه الإسناد إلا هذه الأمة فهو مزية لها، حتى قال ابن حزم: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل. وقال أبو علي الجياني: خص الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد والأنساب والإعراب. وهناك كلمة جميلة لعبد الله بن مبارك يقول فيها: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (أخرجه مسلم) . وفي قصة جميلة أن الإمام الحافظ الزهري حدّث يوما حديثا بإسناد، فقال له سفيان بن عيينة: يا إمام هاتِهِ بلا إسناد، فقال الزهري: أترقى السطح بلا سُلّم؟! [انظر كيف استشعار أهمية ذكر الإسناد!] ، وقال الثوري: الإسناد سلاح المؤمن.
والحقيقة أن أقوال السلف في بيان أهمية الإسناد وخصوصية الأمة، وتفنّن علماء المسلمين في ضبط الأسانيد أقوال في هذا شيء كثير جدا، وحتى من اطلع على هذه الأقوال يعجب أشد العجب منها ومن جهود العلماء في هذا الفن، وما التخريج ودراسة الأسانيد الذي نعايشه في هذه الدروس إلا فرع من فروع ضبط الأسانيد عند المحدثين، ولكن هنا أنبه في هذه المقدمة على أمور:-
-الأمر الأول: أن ما تقدم من بيان خصيصة الإسناد يبين عندنا خطأ بعض من كتب في تاريخ العلم عند المسلمين خاصة من المستشرقين ومن قلّدهم، ادعوا أن العلماء اليونانيين هم المثل الأعلى للمسلمين في كل حقل من حقول العلم، فما تقدم يبين أن هذه الدعوة المطلقة غير صحيحة، فالإسناد من خصائص هذه الأمة، بل إن الإسناد وما تفرع عنه يعد من أعظم إنجازات المسلمين في مجال البحث العلمي، وأقوال الأعداء قبل الأصدقاء في الإعجاب بالإسناد وما تفرع عنه كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. هذا الأمر الاول.
-الأمر الثاني: أنه ينبغي على المعلمين والمتصدين للمناهج والتأليف، ينبغي العناية بهذا الجانب من تراث أمتنا وعدم الاستسلام والهزيمة أمام المواد التي تزاحم هذه المواد العلوم الإسلامية الأصيلة، فبعض المسلمين نحّى هذه العلوم الأصيلة عند المسلمين واستبدلها بعلوم أقل شأنا منها، فهذا يجب أن يُلاحظ وأن تُقرر في الجامعات وفي دور العلم العناية بالإسناد وما تفرع عنه.
-الأمر الثالث: الذي أحب أن أنبه عليه في هذه المقدمة أن بعض الناس يقول: إن المحدثين لم يراعوا العقل في علمهم، والحق أن هذا دعوى غير صحيحة، فالمحدثون راعوا العقل في مواطن عديدة من أبرزها أربع مواطن راعى فيها المحدثون العقل:
الأول: عند سماع الأسانيد والمتون.
الثاني: عند التحديث بها.
الثالث: عند الحكم على الحديث.
الرابع: عند الحكم على الرواة.
هذه أربعة مواطن راعى فيها المحدثون العقل بأسلوب عظيم ومنهج علمي دقيق، ومن أفضل من بين هذا الإمام المُعَلِّمي رحمه الله في الأنوار الكاشفة، وضّح هذا وجلاه بأسلوب رائع جدا، وهذا الكتاب أنا أنصح باقتنائه وقراءته.
ومما أنبه في قضية العقل أيها الإخوة الكرام، ليس هناك شيء اسمه العقل المطلق، هناك عقلي وعقلك وعقل فلان وفلان، فما تراه أنت حسن ربما يراه غيرك قبيح، وربما تقول أنت عن هذا قبيح فيطلع عليك عشرة ويقولون: لا يا أخي هذا حسن، فهناك ميزان ثابت عندنا نحن المسلمون في قضية ضبط مسألة العقل وهو اتباع الكتاب والسنة، الكتاب والسنة هما الميزان، وخاصة في هذا الزمان واضح كيف العقل نزل ببعض الفئات وبعض الناس، نزل بهم العقل إلى أسفل السافلين إلى حد أن بعض العقول أجازت المثلية في الزواج، يعني الرجل يتزوج الرجل، أهذا عقل؟!. فالعقل إذا لم يستضئ بنور الكتاب والسنة ربما يكون وبالا على صاحبه، لا بد أن نلاحظ هذا، فالميزان في قضية العقل هو اتباع الكتاب والسنة.
-الأمر الرابع: أن هذا يدلك على المنهجية الدقيقة التي سار عليها المحدثون في التثبت من الأخبار، منهجية دقيقة جدا، فالمحدثون لا يقبلون أي خبر حتى يطبقون المنهج الدقيق في سلامة ثبوت هذا الخبر، ويا ليتنا نحن في هذا الزمان نطبق هذا المنهج أو قريبا منه، كم نسمع من شائعات أو أخبار خاصة مع وجود مثل الشبكة العالمية الآن، يذكر الرجل فيها خبرا ينتشر في أقطار العالم، وربما بعضهم أخذه على أنه حقيقة علمية وبنى عليها أحكاما، المحدثون عالجوا هذا بقضية الأسانيد مما يجعل المسلم ينطبع هذا في سلوكه الشخصي في مجتمعه في كلامه وتعامله مع الآخرين، ولو تثبتنا يا إخوان لسلمنا من تبعات كثيرة نحن في غنى عنها سواء في العلاقات الأسرية أو الاجتماعية. هذه المقدمة الثانية فيما يتعلق بالإسناد.
• المقدمة الثالثة والأخيرة: في منهجية هذه الدروس العلمية التطبيقية في التخريج ودراسة الأسانيد التي ستلقى في هذا البرنامج؛
وأقدم بين يدي الحديث عن هذه المنهجية سؤالا هو: سمعت أيها الأخ المبارك حديثا يُنسب للنبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"سمعت هذا الحديث، هنا يدور في خلدك من أخرج هذا الحديث؟، ما درجة هذا الحديث هل هو صحيح أم ضعيف؟، هذا البرنامج بإذن الله عز وجل سيجيب عن هذه الأسئلة من أخرجه وعن مدى صحة هذا الحديث. هنا أقول السامع لهذا الحديث لا يخلو من حالين.
-الحال الأول: أن يكون عاميا: ليس عنده علم، فوظيفة العامي في كل أمور الشريعة أن يسأل وأن يرجع لأهل العلم كما قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، ربما يقول بعض العوام وهذه كثيرا ما تطرح: يا أخي العلماء يختلفون وربما اختلفوا أيضا في صحة الحديث، فماذا أعمل أنا كعامي؟
أقول: الواجب على العامي أن يسأل من يراه أوثق في دينه وورعه وعلمه من العلماء، كما إذا أصبت بمرض، ألا تبحث عن أمهر الأطباء، فكذلك إذا جاءتك مسألة دينية فإنك تبحث عن أفضل وأورع من يتكلم بهذا، هذه وظيفة العامي، واختلاف العلماء شيء طبيعي لأن هناك مآخذ علمية دقيقة يختلف فيها العلماء وتتنوع اجتهاداتهم.
وأجد هنا مناسبة أن أقول:
يا إخوان .. الكلام في الشريعة وبيان حكمها واستنباطها وتمييز ضعيفها من صحيحها ليس من قبيل الثقافة العامة التي يتناولها الكتاب والمفكرون والمثقفون والشعراء بالنقد والتعليق كما يتناولون نقد القصيدة والمقالة، هي مسألة علمية تتعلق بدين الله عز وجل، لا يجوز أن يتكلم أحد بدين الله عز وجل إلا بعلم، مقدمات، بعض الناس يجلس 20 - 30 سنة يطلب العلم ثم يأتي واحد بدون مقدمات وبدون علم يقول أنا أريد أن أتكلم في شريعة الله، هذا من أعظم المحرمات، لذلك الله عز وجل لما ذكر المحرمات جعل من أشد المحرمات القول على الله بغير علم، لذلك ابن القيم له كلام جميل يقول فيه: وقد حرّم الله القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، كما قال تعالى: (قل إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير حق وأن تشركوا بالله ما لم ينزّل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) .
ولذلك ابن حزم قال كلمة جميلة الحقيقة أعجبتني يقول ابن حزم: لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويظنون أنهم مصلحون.
الكلام يا إخوان في الشريعة ليس حمىً مستباحا لكل من هب ودب، كل واحد يقول أنا لي حق أن أشارك، لا ليس لك الحق أن تشارك إلا بعد مقدمات، فلك الحق أن تطلب العلم لا يمنعك أحد من أن تطلب العلم وتأتي العلم من أبوابه كما قال تعالى: (وأتوا البيوت من أبوابها) ، فإذا طلبت العلم وعرفته فلك الحق أن تتكلم، وهذا ابتلينا به في بعض من يكتبوا أنه يتكلم في شريعة الله من دون مقدمات، يقول لي الحق أن أشارك، نقول نعم لك حق المشاركة فالعلم ليس محصورا على أحد ولكن لا بد من مقدمات أن تتقنها وتعرفها لكي يحق لك أن تتكلم في العلوم الشرعية.
هذا القسم الأول ممن يسمع الحديث: العامي وظيفته أن يسأل المتخصصين وتبرأ ذمته.
-القسم الثاني ممن يسمع الحديث: طالب العلم ولو مبتدئ، هذا البرنامج يا إخوان وما فيه من دروس علمية تطبيقية تأصيلية في التخريج ودراسة الأسانيد يخاطب هذه الشريحة من طلبة العلم، ولا بد هنا أن أنبه على أمور هي وصايا لطالب العلم المبتدئ فيما يتعلق بهذا:
الأول: من المفترض في هذه المرحلة، لكي نكون واضحين يا إخوان في معالم الدروس التي نأخذها فيعرف الطالب هل يقبل عليها وما هو المطلوب منه؟ من المفترض في هذه المرحلة أن يكون طالب العلم قد قرأ قبلها كتابا في بيان مصطلحات الحديث، أو حفظ متنا مختصرا يبين مصطلحات المحدثين، ويظهر لي فضيلة شيخنا الشيخ سعد