الشيخ:
أشكركم وأقدر لكم هذا التحضير الجيد والتلخيص الرائع، ولعلنا في هذه الحلقة نتكلم عن موضوع من أهم مباحث التخريج وهو طرق استخراج الحديث من كتب السنة أو الوسائل التي يمكن من خلالها العثور على الحديث.
وقبل ذلك أنبه على أمرين:-
الأمر الأول: أن هذا المبحث: طرق استخراج الحديث من كتب السنة من الإضافات الجديدة في علوم الحديث، فأئمة الحديث المتقدمون وحفاظ السنة لم يكونوا بحاجة إلى مثل هذا المبحث، لأنهم كانوا يستظهرون سنة الرسول صلى الله عليه وسلم حفظا ومعرفة، فما إن يُذكر لأحدهم الحديث حتى يعرف من أخرجه ومن رواه ولهم في ذلك قصص شيّقة لا يُمل سماعها.
فمن ذلك مثلا أن الإمام الحافظ اسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهُويَّه، وأهل اللغة يقولون راهَوِيه، ونحن سائرون على طريقة المحدثين في النطق، فإسحاق بن راهويَّه المتوفى سنة 238، يقول: أعرف مكان مائة ألف حديث، كأني أنظر إليها حفظا، وأحفظ منها أربعة آلاف حديث مزوّرة، سأله سائل؛ قال: لماذا تحفظ المزوّرة؟ قال: كي إذا سُألت عنها عرفت أنّه مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم فأفْليه من الحديث الصحيح فَلْيا [انظر كيف الحفظ!] ، ومرة من المرات قال أبو زرعة الرازي - عبيد الله بن عبد الكريم - قال لعبد الله بن أحمد بن حنبل: إن أباك يحفظ ألف ألف حديث [كم؟ مليون] ، قال: كيف عرفت وما يدريك؟ قال: ذاكَرْتُه فأخذت عليه الأبواب [يعني بدأت أتذاكر معه فقلت: اذكر لي أحاديث الطهارة، فيسردها سردا، ثم أحاديث الصلاة ثم أحاديث الحج ثم أحاديث الصيام ثم المعاملات وهكذا] . هنا لما ذكر الذهبي هذا الخبر في سير أعلام النبلاء نبّه تنبيها مهما جدا، قال: هذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وكانوا يعدّون في ذلك المكرّر والأثر وفتوى التابعين، وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عِشْر معشار ذلك.