الصفحة 22 من 138

ولعلكم تذكرون لما عرّفنا عزو الحديث في تعريف التخريج اصطلاحا، قلنا إن مفهوم الحديث عند المتقدمين مفهوم واسع يشمل الحديث المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم ويشمل أيضا قول الصحابي ويشمل أيضا قول التابعي، فبعض الناس ربما استشكل مثل هذه العبارات، فلان يحفظ مائة ألف حديث وفلان يحفظ .. !، لا؛ المقصود بالحفظ هنا حفظ على سبيل العموم، المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أقوال الصحابة وأقوال التابعين كما فسّر ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الحادي عشر في صفحة (187) ، وكان أبو زرعة الرازي الحافظ الكبير - عبيد الله بن عبد الكريم- المتوفى سنة 264، كان يحفظ ستمائة ألف حديث حتى قال أحمد بن حنبل في حقِّه: ما جاوز الجسر أفضل منه. وقال الأزهري [وهذه قصة طريفة لطيفة] يقول: بلغني أن الدارقطني [وتعرفون الإمام الدارقطني أبو الحسن علي بن عمر المتوفى سنة 385 صاحب كتاب العلل] يقول: بلغني أن الدارقطني في حداثته [لما كان صغيرا يعني كبر ابن عمر ربّما] كان في مجلسه إسماعيل الصفّار فجعل ينسخ جزءا [يكتب في المجلس] فقال له أحد الحضور: إن سماعك عند المحدثين لا يصح! قال: لماذا؟ قال: لأنك تكتب والشيخ يحدِّث [وهذا جرح عند المحدثين] قال: إني أحفظ ما قال الشيخ أفضل منك، فقال له هذا الشخص: كم ذكر الشيخ؟ قال: ذكر ثمانية عشر حديثا، اكتبها: الحديث الأول رواه فلان عن فلان عن فلان والمتن كذا، ثم سردها كاملة. انظر كيف هؤلاء الحفاظ!.

وكانوا يطلبون العلم من صغرهم، وهذا مهم جدا للمربين الآن، هؤلاء الحقيقة من طريق نشأتهم وعلمهم أنهم بدأوا بطلب العلم وهم صغار ولذلك برعوا وأدهشوا الناس بحفظهم وخدمتهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخبارهم كثيرة وشيقة جدا في الحقيقة، وقد جمعت جزءا في هذه الأخبار وطُبعت بعنوان (قصص ونوادر لأئمة الحديث المتقدمين في تتبّع سنّة سيد المرسلين والذبّ عنها) .

ثم وفق الله هؤلاء الحفاظ الأئمة لخدمة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتقريبها للناس فصنفوا المصنفات الكثيرة وهذا هو الأمر الثاني الذي أحببت أن أقدم قبل أن أذكر موضوع المادة، أن أقدم له وهو؛

الأمر الثاني: أن المحدثين لما صنفوا المصنفات صنفوها على طريقتين، فطرق التصنيف عند المحدثين ترجع في الأصل إلى طريقتين كما نص على ذلك الخطيب البغدادي في الجامع وابن الصلاح في علوم الحديث وغيرهم، وهذا واقع مشهود من المحدثين أنهم سلكوا طريقتين؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت