السنة النبوية وابتداءً أقول أن البعض من الذين يشتغلون بالعلوم التطبيقية العملية يظنون أن العلوم النظرية قد عفى عليها الدهر، وأنها لا تبقى لأن تواكب هذه النقلة الحضارية والتطور الذي أصبح من سمات هذا العصر، ويظهر أن هذا التصور انتقل إلى بعض المشتغلين بالعلوم الإسلامية وخاصة علم السنة النبوية، فابتعَدوا عن التقنية الحديثة في بحوثهم وفي تدريسهم وفي دراستهم وفاتهم بذلك شيء كثير وعلم مفيد لا يُستهان به.
ولعلي أُجمل أهمية استخدام التقنية الحديثة في خدمة السنة النبوية في عدة نقاط وأقتصر على أبرز جوانب هذه الخدمة:
-أما أولا- وقد شاع عند المشتغلين وطلبة العلم خاصة علم الحديث مقولة الإمام علي بن المديني الذي قال: الحديث إذا لم يُجمع طرقه لم يتبيّن خطؤُه. والتقنية الحديثة تفيد كثيرا من خلال التطبيق العملي لهذه المقولة، في وقت ضعفت فيه الملكات العقلية المتعلقة بالحفظ والضبط، كما ضعُفت فيه الهمة عند طلاب هذا العلم في التحصيل والأداء، كما يتصور الكثير من مستخدمي التقنية الحديثة لخدمة السنة النبوية أن فائدتها منحصرة في تخريج الحديث والدلالة على موضع الحديث في مصادره المختلفة وهو أمر كان صعبا وعسيرا على الباحثين قبل شيوع هذه التقنية وفي نظري أن هناك جوانب أخرى لخدمة السنة النبوية يمكن أن تقوم بها هذه التقنية لعل من أبرزها إضافة لما ذكرت قبل قليل.
-تسهيل فهم علم السنة النبوية من خلال البيانات والجداول الإحصائية والرسوم البيانية التي توفرها هذه التقنية الحديثة، فاليوم يمكن تسخير الألوان واستخدامها في مجال علم الجرح والتعديل والحكم على الرواة والحكم على الأحاديث، وربما أن مؤسسة كان لها فضل السبق في هذا الموضوع، وقد استفدت من هذا السبق ومن هذه البرامج خاصة برنامج برنامج موسوعة الحديث النبوي أثناء تدريسي لطلاب وطالبات مادة الحديث لكلية التربية والعلوم الإنسانية في جامعة طيبة، وكتبت بحثا في هذا الصدد عنوانه (التقنية الحديثة في خدمة السنة النبوية - دراسة تطبيقية على بعض أحاديث الإمام البخاري) وتوصلت من خلال استخدام الرسوم البيانية والجداول الإحصائية واستخدام الألوان في الحكم على الرواة إلى ترسيخ قناعة أن الإمام البخاري إنما أخرج من طرق الحديث أصح هذه الطرق وأقواها.
-هناك فائدة أخرى كذلك يمكن أن نستفيد من خلال التقنية الحديثة وذلك من خلال فهم مناهج الأئمة في كتبهم، حيث نتمكن من خلال التقنية من الوصول إلى عدد رواياتهم في الكتاب الذي حوى آلاف الأحاديث في وقت قصير، وجَمْعها في مكان واحد وتأملها ودراستها لتحقيق هذا الهدف. ومثلا لو أخرج الإمام البخاري في صحيحه براوٍ غير ثقة فإن معرفة عدد رواياته عنده، وتأمل هذه الروايات والوقوف على الظواهر المشتركة والمفترقة يُعين كثيرا في بيان منهجه في الإخراج لمثل هذا الراوي.