وأظهر حركة يولدها التكبير: حركة التمييز و الفرقان ، بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان .
فإنك إن قلت: { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين }
استشعرت في كل ركعة طائفة من هذه الأصناف الثلاثة ، و تخصص كل ركعة لمن ظهر منهم في زمن واحد ، أو بلد واحد ، فتجول في ركعات يومك بلاد الإسلام أجمع ، وتستعرض تاريخ الإسلام أجمع .
ففي ركعة تذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الأطهار رضي الله عنهم مثلًا لمن أنعم الله عليهم ، و تذكر أبا جهل ومسيلمة مثلًا للمغضوب عليهم والضالين .
وفي ركعة أخرى تذكر هودًا وصالحًا - عليهم السلام - مثلًا ممن أنعم الله عليهم ، وعادًا وثمود من الهالكين .
وفي ركعة أخرى تذكر الحسن البصري وابن سيرين و ابن المسيب ممن أنعم الله عليهم ، و أهل الردة ، و الجهم بن صفوان ، و الجعد بن درهم من المتخبطين .
وفي أخرى تذكر الإمام أحمد بن حنبل ورهطه من المحدثين الموفقين، وبشرًا المريسي وابن دؤاد من الظالمين .
وفي أخرى تذكر ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي من المصلحين ، وأصحاب وحدة الوجود والفناء الموهوم و الشطح والابتداع من المدلسين .
وفي أخرى تذكر الإمام البنا وعودة وسيد ، وثباتهم أمام الطغاة المتجبرين .
وبذلك تعقل صلاتك ، والمرء ليس له من صلاته إلا ما عقل منها ، و تجدد عهدك مع أجيال المؤمنين ، وتنبذ المفسدين ، وتلك هي حركة الإيمان ، فإن الإيمان الحق ما أخذ منك الولاء ، وتركك على المفاصلة .
رجال مدرسة الليل
ولكن تمام التذكر يكون مع الهدوء والسكون .
فمن ثم كانت مدرسة الليل .
وكان ترغيب الله للمؤمنين أن يجددوا سمت الذين {كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون} وإذا انتصف الليل ، في القرون الأولى ، كانت أصوات المؤذنين ترتفع تنادي:
يارجال الليل جدوا رب صوت لا يرد