ما يقوم الليل إلا من له عزم وجِدُّ
و إنها حقًا لمدرسة ، فيها وحدها يستطيع رجالها أن يذكوا شعلة حماستهم ، وينشروا النور في الأرجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية .
و إنها تجربة إقبال يوجزها فيقول:
نائح والليل ساج سادل يهجع الناس و دمعي هاطل
تصطلي روحي بحزن وألم ورد ( يا قوم ) أنسي في الظلم
أنا كالشمع دموعي غسلي في ظلام الليل أذكي شعلي
محفل الناس بنوري يشرق أنشر النور و نفسي أحرق (1)
و إن دعوة الإسلام اليوم لا تعتلي حتى يذكي دعاتها شعلهم بليل ، ولا تشرق أنوارها فتبدد ظلمات جاهلية القرن العشرين مالم تلهج بـ ( يا قيوم ) .
ما نقول هذا أول مرة ، وإنما هي وصية الإمام البنا حين خاطب الدعاة فقال:
"دقائق الليل غالية ، فلا ترخصوها بالغفلة" (2)
أفعيينا أن نعيد السمت الأول ، أم غرنا اجتهاد في التساهل و التسيب و الكسل جديد ؟
إن القول لدى الله لا يبدل ، ولكنا أرخصنا الدقائق الغالية بالغفلة ، فثقل المغرم ولم يجعل الله لنا من أمرنا يسرًا .
إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور ، بل برجعة نصوح إلى العرف الأول ، ومتى ما صفت القلوب بتوبة ، و وعت هذا الكلام أذن واعية: كانت تحلة الورطة الحاضرة التي سببتها الغفلة المتواصلة .
ذلك شرط لا بد منه .
و كأن النصر حجب عنا لأننا نادينا من وراء الحجرات ، وجهرنا رافعين أصواتنا نوجب على الله لنا هذا النصر بادلال ، نبيعه و نثبت لنا حقًا عاجلًا في الثمن من دون أن نقدم بين يدي بيعنا همسًا في الأسحار ، ولا الدمع المدرار ، و إنما النصر هبة محضة ، يقر الله بها عين من يشاء من رجال مدرسة الليل في الحياة الدنيا ، ولا يلت الآخرين المحصرين من ثمنهم في الآخرة شيئًا ، ويوقع أجرهم عليه .
(1) ديوان الأسرار و الرموز 79 .
(2) مجلة الدعوة في دورتها القديمة عدد 63 .