الصفحة 14 من 91

ما يقوم الليل إلا من له عزم وجِدُّ

و إنها حقًا لمدرسة ، فيها وحدها يستطيع رجالها أن يذكوا شعلة حماستهم ، وينشروا النور في الأرجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية .

و إنها تجربة إقبال يوجزها فيقول:

نائح والليل ساج سادل يهجع الناس و دمعي هاطل

تصطلي روحي بحزن وألم ورد ( يا قوم ) أنسي في الظلم

أنا كالشمع دموعي غسلي في ظلام الليل أذكي شعلي

محفل الناس بنوري يشرق أنشر النور و نفسي أحرق (1)

و إن دعوة الإسلام اليوم لا تعتلي حتى يذكي دعاتها شعلهم بليل ، ولا تشرق أنوارها فتبدد ظلمات جاهلية القرن العشرين مالم تلهج بـ ( يا قيوم ) .

ما نقول هذا أول مرة ، وإنما هي وصية الإمام البنا حين خاطب الدعاة فقال:

"دقائق الليل غالية ، فلا ترخصوها بالغفلة" (2)

أفعيينا أن نعيد السمت الأول ، أم غرنا اجتهاد في التساهل و التسيب و الكسل جديد ؟

إن القول لدى الله لا يبدل ، ولكنا أرخصنا الدقائق الغالية بالغفلة ، فثقل المغرم ولم يجعل الله لنا من أمرنا يسرًا .

إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور ، بل برجعة نصوح إلى العرف الأول ، ومتى ما صفت القلوب بتوبة ، و وعت هذا الكلام أذن واعية: كانت تحلة الورطة الحاضرة التي سببتها الغفلة المتواصلة .

ذلك شرط لا بد منه .

و كأن النصر حجب عنا لأننا نادينا من وراء الحجرات ، وجهرنا رافعين أصواتنا نوجب على الله لنا هذا النصر بادلال ، نبيعه و نثبت لنا حقًا عاجلًا في الثمن من دون أن نقدم بين يدي بيعنا همسًا في الأسحار ، ولا الدمع المدرار ، و إنما النصر هبة محضة ، يقر الله بها عين من يشاء من رجال مدرسة الليل في الحياة الدنيا ، ولا يلت الآخرين المحصرين من ثمنهم في الآخرة شيئًا ، ويوقع أجرهم عليه .

(1) ديوان الأسرار و الرموز 79 .

(2) مجلة الدعوة في دورتها القديمة عدد 63 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت