الصفحة 15 من 91

إن تعلم الإخلاص ، وفضح الأمل الكاذب الدنيوي أجلى أعطيات مدرسة الليل ، كما يقول وليد ، وذلك ما توجب تربيتنا تركيزه وتعميقه في النفوس . قال ، والحق ما قال:

ياليل قيامك مدرسة فيها القرآن يدرسني

معنى الإخلاص فألزمه نهجًا بالجنة يجلسني

و يبصرني كيف الدنيا بالأمل الكاذب تغمسني

مثل الحرباء تلونها بالإثم تحاول تطمسنى

فأباعدها و أعاندها و أراقبها تتهجسني

فأشد القلب بخالقه والذكر الدائم يحرسني (1)

وأكثر من هذا فإن من يتخرج في مدرسة الليل يؤثر في الأجيال التي بعده إلى ما شاء الله ، والمتخلف عنها يابس قاس تقسو قلوب الناظرين إليه، والدليل عند بشر بن الحارث الحافي منذ القديم ، شاهده وأرشدك إليه, فقال:

"بحسبك أن قومًا موتى تحيا القلوب بذكرهم ، وأن قومًا أحياء تقسو القلوب برؤيتهم".

فلم كان ذلك أن لم يكن ليل الأولين يقظة ، وليل غيرهم نومًا ؟ ونهار الأولين جدًا ، ونهار الآخرين شهوة ؟

أتسبقك الحمامة ؟

وإنه لقلب رقيق قلب الفقيه الزاهد أبي سهل الصعلوكي ، يظهره تأنيبه لنفسه في قوله:

أنام على سهو و تبكي الحمائم وليس لها جرم ومني الجرائم

كذبت لعمرو الله لو كنت عاقلًا لما سبقتني بالبكاء الحمائم (2)

فإن الذنب لا يغسل إلا بدمع ، و الشجاعة تسقى بدموع الليل ، وما عرف تاريخ الإسلام رجاله إلا كذلك ، ولم يقل ابن القيم باطلًا في وصفه لهم بأنهم:

يحيون ليلهم بطاعة ربهم بتلاوة ، وتضرع و سؤال

وعيونهم تجري بفيض دموعهم مثل انهمال الوابل الهطال

في الليل رهبان ، وعند جهادهم لعدوهم من أشجع الأبطال

بوجوههم أثر السجود لربهم وبها أشعة نوره المتلالي (3)

(1) أغاني المعركة 38 .

(2) طبقات الشافعية للسبكي 3/171 .

(3) اغاثة اللهفان 255 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت