الصفحة 18 من 91

بل يهلك في الأغلب ، فإن مبني البداية على التجرد ، فإذا حرم من صفائه في الأول فإن بنيانه يظل مهتزًا مهما شمخ عاليًا ، بل الخطر كل الخطر عليه في الحقيقة إذا شمخ ، فإنه يسرع إلى التمايل عند كل نداء ببدعة أو دعوة لمغنم ، لأن من شأن الشيطان أن يزين البدعة و يجملها ، و أن من شأنه أن يستغل وقت الحاجة ليغري ، ولئن تردد هذا الرجل الصالح فذكر مجرد الاحتمال و استعمل كلمة ( ربما ) ، ولئن تردنا فاقتصرنا على ( الأغلب ) ، فإن ثالثًا قد جزم بذلك فقال:"من لم يصح في مبادئ إرادته: لا يَسلم في منتهى عاقبته".

وما هو بنسيان منه لمشيئة الله تهدي و تثبت من يختار ، ولكنه يتحدث عن تجربته في التربية ، ويقدم تقريره عن نتائج تفتيشه واستقراء أحوال من عرفهم .

وهكذا تكون عنايتنا بالابتداء خطًا بارزًا ظاهرًا في فنّنًا التربوي الحركي .

وهي النية الحرة

وإنما يعنون بصفاء الابتداء معنيين يتتابعان في توال ، فيتلازمان: النية الصالحة ، والهمة العالية ، حصرهما البحتري في شطر مبين و سماهما:

نفس تضيء ، وهمة تتوقد (1)

و النفس المضيئة كناية عن النفس التي احتوت نية صافية ، فهي تنير بما يكون لها من هذا الصفاء .

وهي: ( النية الحرة ) التي ذكرها البحتري أيضًا في بيت آخر (2) ، فأحسن الوصف وأجاد ، فكأنها حرة مما يقيد غيرها ، من الأهواء والأطماع والمصالح ، لم يستعبدها درهم ولا دينار ولا جمال أنثى ، ولم تكن رقيقًا لمنصب أو شهوة .

فالداعية لا يصدر قط عن شهوة ، ولا طلب مصلحة ، و إنما له في كل حركة وسكنة تطلعات إلى الأجر .

وكذلك كان الصالحون .

(1) ديوان البحتري 1/29 .

(2) ديوان البحتري 6/40 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت