وبهذا الوصف وصف هشام بن عبد الملك ابن عمه عمر بن عبد العزيز الأموي رحمه الله فقال:"ما أحسب عمر خطا خطوة قط إلا وله فيها نية" (1) . ولذلك استطاع عمر في أقل من سنتين تقويم اعوجاج جيلين ، وعلى داعية الإسلام اليوم أن لا يستكبر عظم الانحراف الذي عمّ بلاد الإسلام ، فإنه - إن قَرن كل خطوة بنية مثل الراشد الخامس - سيهزم حزبين بإذن الله في أقل من سنتين .
و يتعاظم الخير في عقود المؤمنين مع الله كلما زاد تجردهم حين العقد ، ولذلك رأت الدنيا عظم الخير في ولاية عمر بن عبد العزيز لما تجرد سليمان بن عبد الملك رحمه الله محض التجرد حين عقد له واستخلفه وقال:
"لأعقدنَّ عقدًا لا يكون للشيطان فيه نصيب" (2) .
بل العمل الصغير بالنية يعظم ، كما يشير عبد الله بن المبارك في قوله:"رُب عمل صغير تعظمه النية ، ورب عمل كبير تصغره النية".
ومعقود اللسان من الدعاة يصبح بالنية ناثرًا من فيه جواهر البلاغة الآسرة للناس ، كما ينص على ذلك طب عبدالقادر الكيلاني في قوله:"كن صحيحًا في السر: تكن فصيحًا في العلانية" (3)
وأما المخلط في نيته فيخلط عليه في أموره وسيرته ، كان ذلك في التاريخ على أهل التخليط حتمًا مقضيًا ، وهو المعنى الذي كشفه التابعي الجليل مُطرَّف بن الصحابي الجليل عبد الله بن الشخِيّر العامري في قوله:"صلاح العمل بصلاح القلب ، وصلاح القلب بصلاح النية ، ومن صفا: صُفّي له . ومن خلط: خُلَّط عليه".
ونتيجة التخليط أن يضطرب القلب في فوضى تعدم السكينة ، و"إن الخطأ الأكبر أن تنظيم الحياة من حولك ، وتترك الفوضى في قلبك"، كما يقول مصطفى صادق الرفاعي (4) .
(1) سيرة عمر لابن عبد الحكم 30/29 .
(2) سيرة عمر لابن عبد الحكم 30/29 .
(3) الفتح الرباني 64 .
(4) وحي القلم 2/44 .