فاعرف سياسة النفس هذه أيها الداعية ، وأتقِن ولوجها قبل ولوج سياسة الحكم ، فإنه:"فرض على العامل أن يعرف النية من الأمنية", كما قيل .
فهناك نية وهناك أمنية ، والأمر كما قال يحيى بن معاذ:"لا يزال العبد مقرونًا بالتواني , مادام مقيمًا على وعد الأماني" (1) .
وما اختار أحدٌ الأماني تقوده إلا كان أثقل ما يكون خطوًا ، ووجد ثَم السراب الخادع ، وعّدِم الماءَ وقت العطش ، وأما المضيء النفس ، ومن لا أمنية له من الدعاة ، فإنك تجده سبّاقًا إلى كل خير أبدًا ، وتجده على ري دومًا فإنه إن كان ذا قوة: استقى لنفسه ، أو استسقى ، فيجيبه الله بهطل من السماء ، وإن كان مستضعفًا: وجد وريثًا لموسى عليه السلام ، يسقي له ويزاحم الرعاع .
وهو قدم الهول
والهِمّة قرينة النية ، فلا شيء بعد النية قبلها ، وكل الاتقان بعدها ، ومن أكسبها من المربين تلاميذه عند خطواتهم الأولى فقد ضمن لهم الاستمرار إن شاء الله , و قد قيل:"همتك احفظها ، فإن الهمة مقدمة الأشياء ، فمن صلحت له همته وصدق فيها: صلح له ما وراء ذلك من الأعمال".
ويمثل لها ابن القيم بمثل لطيف ، فيقول:"مثل القلب مثل الطائر ، كلما علا: بعد عن الآفات ، وكلما نزل: احتوشته الآفات" (2) .
فكما أن الاستعلاء بالهمة يبقي القلب نظيفًا بريئًا من المعنى الخسيس مشغولًا بالعظام ، فإنه أيضًا يقي القلب الآفات والأمراض وسهام الشيطان ، كما تقي نهضة الجناحين الطائر سهام الصياد ، و مهمة المربي المسلم: أن يعلم الناشئ هذه النهضة العالية في مبادئ محاولاته .
(1) تاريخ بغداد 5/184 .
(2) الجواب الكافي 70 .