الصفحة 21 من 91

و نهضة الجناحين هي بدورها كناية عن النفس التي احتوت تصميمًا على حمل أثقال الدعوة إلى الله ، فإن الجديد في سلك الدعوة إن فهم الدعوة في الأول مجرد تزكية نفس ، و صحبة أخيار ، وبث أشواق ، وفرصة تكافل ، فإنه يحجم عن إنكار المنكر على الظالم ، و يستعصي عليه فهم معادلة ابن يزدانيار في الفراسة ، والتي فهمها من قبله الرجال ، ويرجع عن الزحف يوم الزحف و قائمة أعذاره تحت أحد إبطيه ، أولها: أنه لم يُنذر بمثل هذا من قبل ، ولا يحتوي هذا الشرط عقده ، ولذلك حرص رجال التربية على أن تكون أول خطوة للسالك: خطوة هّول ، كخطوة السبعين من قدماء الأنصار ساعة بيعة العقبة حين أخذوا على أنفسهم أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه نسائهم وأبنائهم وأموالهم .

فهو هول الجهاد ، أو هول الإنكار ، وليس ما في التجافي عن دار الغرور ذات الشهوات و التقليل من الأموال و الملذات بأقل من هذين الهولين .

فإن أحب الدنيا فإنما يحبها كحب محمد بن أحمد المعروف بابن رزقويه ، ذلك الحب الذي يكشف عن همة عالية وراءه ، والذي ترجمه مخاطبًا تلامذته:

"والله ما أحب الحياة في الدنيا لكسب ولا تجارة ، ولكن لذكر الله ، ولقراءتي عليكم الحديث" (1)

وإنما ذكر الحديث كمثل لجنس الصالحات التي يجب على الداعية أن يحب الدنيا لأجلها لا لغيرها .

وعن أجيال السلف أخذ جيل المجددين في هذا القرن فقه الهمة ففهم الإمام حسن البنا أن الداعية الهمام:"يبذل كل ماله ، وكل دمه ، وكل نفسه ، في سبيل عقيدته التي آمن بها وعاش من أجلها" (2) .

(1) تاريخ بغداد 1/ 352 .

(2) مذكرات الدعوة و الداعية 233 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت