فلا بد من الجد الدائم ، لأن خواطر الفكر دائمة ، وحركات الجوارح متصلة ، فإن لم يكن الجد معهن دائمًا: شغلهن ما هو دونه أو ضده ، فيكون الهبوط من بعد الاستعلاء ، يحذرك إياه عبد الوهاب عزام ، و ينبهك أن:
"الفكر لا يحد واللسان لا يصمت ، والجوارح لا تسكن . فإن لم تشغلها بالعظائم: شغلتها الصغائر ."
و إن لم نُعمِلها في الخير: عملت في الشر .
إن في النفوس ركونًا إلى اللذيذ والهين ، و نفورًا عن المكره والشاق ، فارفع نفسك ما استطعت إلى النافع الشاق ، ورضها وسسها على المكروه الأحسن ، حتى تألف جلائل الأمور وتطمح إلى معاليها ، وحتى تنفر عن كل دنية و تربأ عن كل صغيرة .
علمها التحليق: تكره الإسفاف . عرّفها العز: تنفر من الذل .
وأذقها اللذات الروحية العظيمة: تحقر اللذات الحسية الصغيرة" (1) "
و أنت صاحب إيمان:
"وحقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان ، لأنه يجاهد نفسه كذلك في أثناء مجاهدته للناس ، وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبدًا وهو قاعد آمن ساكن ، وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبدًا بغير هذه الوسيلة ، ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته ، و بعاداته وطباعه وانفعالاته واستجاباته ، ما لم يكن ليبلغه أبدًا بدون هذه التجربة الشاقة العسيرة ."
وهذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } ، وأول ما تفسد: فساد النفوس بالركود الذي تأسن معه الروح ، وتسترخي معه الهمة ، و يتلفها الرخاء و الطراوة ، ثم تأسن الحياة كلها بالركود ، أو بالحركة في مجال الشهوات وحدها ، كما يقع للأمم حين تبتلى بالرخاء" (2) "
وأتعب الناس من جَلّت مطالبه
وأنت حر كريم
(1) مجلة المسلمون 1/595 .
(2) هذا الدين لسيد قطب 10 .