و"لا يرمي الحر الكريم إلا أن يبلغ الأمد الأبعد في كل ما يحاوله فلا يألو أن يبذل جهده إلى غاية الطاقة و مبلغ القدرة ، مستمدًا قوة من بعد قوة ، محققًا السحر القادر الذي في نفسه ، متلقيًا منه وسائل الإعجاز في أعماله ، مرسلًا في نبوغه من توهج دمه أضواء كأضواء النجم تثبت لكل ذي عينين إنه النجم لا شيء آخر" (1)
و أنت صاحب غاية:
و إنما يوصل الداعية إلى غايته:"شغفه بدعوته و إيمانه ، و اقتناعه بها ، و تفانيه فيها ، وانقطاعه إليها بجميع مواهبة وطاقاته ووسائله ، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسة للدعاة" (2)
و أنت طالب نفوذ إلى الله .
و"طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة ، بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة ، بحيث يكون رأسًا في ذلك مقتدى به فيه ، يحتاج أن يكون شجاعا ًمقدامًا ، حاكمًا على وهمه ، غير مقهور تحت سلطان تخيله ، زاهدًا في كل ما سوى مطلوبه ، عاشقًا لما توجه إليه ، عارفًا بطريق الوصول إليه ، والطرق القواطع عنه ، مقدام الهمة ، ثابت الجأش ، لا يثنيه عن مطلوبه لوم لائم ولا عذل عاذل ، كثير السكون ، دائم الفكر ، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم ، قائمًا بما يحتاج إليه من أسباب معونته ، لا تستنفره المعارضات ، شعاره الصبر ، وراحته التعب" (3)
محنة الفراغ و الغفلة
و يجتمع هذا الكلام الحق ليقرر أن محنة الداعية المسلم لا تكمن في معارضة الكفر له ، ولا في سجنه ، و تعذيبه
و تجويعه ، بقدر ما تكمن في استرخاء همته و التذاذه بالراحة .
ما محنة الداعية إلا لهوه وغفلته و جلوسه فارغًا ، وربما زاد فينفتح له باب من اللغو بعد اللهو .
تلك هي المحنة الحقيقية التي تفتعلها الجاهلية للدعاة بما تعرض للناس من مغريات و أسباب لهو تلفت أنظارهم إليها .
(1) وحي القلم للرفاعي 1/65 .
(2) للندوي في مقدمته لمذكرات الدعوة و الداعية .
(3) لابن القيم في الفوائد 19 .