الصفحة 27 من 91

إننا حين نثبت جواز التمتع بالمباحات فلكي يعلم من نخاطبه أننا لا ندعو إلى مثل الطريقة المبتدعة التي كان عليها بعض الزهاد من الجوع والعري والرهبانية ، وإلا فلا يزال جواب ابن الجوزي يصلح جوابًا لنا حين سأله سائل:"أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي ؟"فقال:"عند نفسك من الغفلة ما يكفيها" (1)

فإن اعترض معترض: أتيناه بمثل كلام ابن القيم حيث يقول:"لا بد من سِنة الغفلة ، ورقاد الغفلة ، ولكن كن خفيف النوم" (2)

فنحن لا ننكر ما في المعنى الحرفي لإطلاقات من عاب الراحة من إرهاق ، وإنما نريد - كما أرادوا - تقليلها إلى أدنى ما يكفي الجسم ، كل حسب صحته و ظروفه ، خاصة وأن المؤمن في هذا الزمن أشد حاجة للانتباه و معالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية ، ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل ، ويسوده التواصي بالحق ، والرذائل تجهد نفسها في التستر والتواري عن أعين العلماء و سيوف الأمراء ، أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعًا مبصرًا بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف ، وجعلت إلقاءات جميع أجناس الشياطين قريبة من القلوب ، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور ، فضلًا عن ارتفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها , فوجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لوقته أكثر مما كان يجب على السلف .

و ما أصدق تصوير إمام تركيا بديع الزمان سعيد النورسي - رحمه الله - لهذه الحقيقة حين يقول:"إن هذه المدنية السفيهة ، المصيرة للأرض كبلدة واحدة ، يتعارف أهلها و يتناجون بالإثم وما لا يعني ، بالجرائد صباحًا و مساء ، غلظ بسببها و تكاثف بملاهيها حجاب الغفلة ، بحيث لا يخرق إلا بصرف همة عظيمة".

(1) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 422 .

(2) الفوائد 41 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت