الصفحة 3 من 91

ويعجبني جدًا وصف الشاعر التونسي أحمد المختار الوزير للنفس البريئة ، ورمز لها رمزًا ، جعلها كأنها فراشة ، واقترب كل الاقتراب من إدراك كمال الحقيقة ، تسوقه فطرته إلا أنه لم يمسكها ، وفاتَه أنه يصف النفس المؤمنة بأبلغ مما وصفها غيره ..

إنها تأسره إذ هي:

ساكنة ، في صَمتها ، أبْيَنُ ممّن يَنْطقُ

هكذا هي السيماء الإيمانية: وداعة ، و تفكّر ، و تأمل هادئ ، في إقلال من الكلام ، وبعد عن اللغو ، ولكن تحوطها هيبة مؤثرة ، وجَمال بليغ مفصح .

و إن وَنَتْ وَقْفَتُها: أعْجَلَها المنطلَقُ

فالوقفات سُنة من سنن الحياة ، وقدر مقدور على البشر ، إلا أنها عند المؤمن لن تكون استرخاءً وغفلةً و تماديًا أبدًا ، بل هي تعتري برهة ، ثم تُجْليها محفَّزات كامنة ، من رصيد ذاتي مجموع أو تراث حكمة مركوز .

لكن الشياطين تعترض ، تحاول عرقلة هذا المنطلق ، توهم صاحبه ، وتضع العوائق الثقال في صور من الزينة ، لها بهرج ، و تألق ، و بريق ، تغش النفس الهائمة ، ولكن النفس الملهَمة ، التي أُلهمت إيمانها ، ترى ما وراء ذلك من حقائق تفضح ما خفي من كبرياء مفتعلة ، أو حسد موسوِس ، أو صدارة متأخرة ، أو حب زيادة مال زائل . فذلك هو حوم الفراشة حول ومضات صورتها على سطح البحيرة .

أو هي تجربة النفس المؤمنة ..

لكم رأت خيالَها ، ماجَ به المنْبَثَقُ

كأنه النجمُ يرفُّ ، والمياه الأفقُ

فحوَّمَتْ ، ترنوا ، تَودّ لو به تّعْتّلِقُ

و أَوشكتْ ، لو لم تُفِق ، يقضي عليها الغرَقُ

لكنها مؤمنة ، هيهات ، لا تستحمِقُ

بين الضلال والهدى: يبدو لها المفترَقُ

نعم هكذا: المفترق واضح ، والاقتراب يفضح الصورة ، ويزيد الوضوح وضوحًا ، ويبين أنّ ما ظنته النفس تألقًا من على بُعد إن هو إلا اهتزاز .

ولكن كيف النجاة مع هذا الاقتراب من موجة عالية تفجأ ، فتترك بَلَلًا يُثقِل ، إن لم يكن الغرق المتلف ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت