ويعجبني جدًا وصف الشاعر التونسي أحمد المختار الوزير للنفس البريئة ، ورمز لها رمزًا ، جعلها كأنها فراشة ، واقترب كل الاقتراب من إدراك كمال الحقيقة ، تسوقه فطرته إلا أنه لم يمسكها ، وفاتَه أنه يصف النفس المؤمنة بأبلغ مما وصفها غيره ..
إنها تأسره إذ هي:
ساكنة ، في صَمتها ، أبْيَنُ ممّن يَنْطقُ
هكذا هي السيماء الإيمانية: وداعة ، و تفكّر ، و تأمل هادئ ، في إقلال من الكلام ، وبعد عن اللغو ، ولكن تحوطها هيبة مؤثرة ، وجَمال بليغ مفصح .
و إن وَنَتْ وَقْفَتُها: أعْجَلَها المنطلَقُ
فالوقفات سُنة من سنن الحياة ، وقدر مقدور على البشر ، إلا أنها عند المؤمن لن تكون استرخاءً وغفلةً و تماديًا أبدًا ، بل هي تعتري برهة ، ثم تُجْليها محفَّزات كامنة ، من رصيد ذاتي مجموع أو تراث حكمة مركوز .
لكن الشياطين تعترض ، تحاول عرقلة هذا المنطلق ، توهم صاحبه ، وتضع العوائق الثقال في صور من الزينة ، لها بهرج ، و تألق ، و بريق ، تغش النفس الهائمة ، ولكن النفس الملهَمة ، التي أُلهمت إيمانها ، ترى ما وراء ذلك من حقائق تفضح ما خفي من كبرياء مفتعلة ، أو حسد موسوِس ، أو صدارة متأخرة ، أو حب زيادة مال زائل . فذلك هو حوم الفراشة حول ومضات صورتها على سطح البحيرة .
أو هي تجربة النفس المؤمنة ..
لكم رأت خيالَها ، ماجَ به المنْبَثَقُ
كأنه النجمُ يرفُّ ، والمياه الأفقُ
فحوَّمَتْ ، ترنوا ، تَودّ لو به تّعْتّلِقُ
و أَوشكتْ ، لو لم تُفِق ، يقضي عليها الغرَقُ
لكنها مؤمنة ، هيهات ، لا تستحمِقُ
بين الضلال والهدى: يبدو لها المفترَقُ
نعم هكذا: المفترق واضح ، والاقتراب يفضح الصورة ، ويزيد الوضوح وضوحًا ، ويبين أنّ ما ظنته النفس تألقًا من على بُعد إن هو إلا اهتزاز .
ولكن كيف النجاة مع هذا الاقتراب من موجة عالية تفجأ ، فتترك بَلَلًا يُثقِل ، إن لم يكن الغرق المتلف ؟