ويجمع ذلك: تحري النفع في الدين فإنها الكلمة الجامعة المانعة ، والمادة الموجزة في قانون التآخي ، يضعها زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم ، فيقول:"إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه" (1)
فشأن كل داعية ناشئ أن يرتاد لنفسه المجالس التي يزيد فيها إيمانه وعلمه ، وأن يقصد المجالس التي تنفع دينه ، ولا يعرف مجالس اللغو و اللهو و قتل الفراغ .
وشرح ذلك إقبال بشطر حاسم ، يريد لنا أن لا نطيل القول بعده ، فقال يدعو الله عز و جل:
هب نجيّا يا ولي النعمةِ محرمًا يدرك ما في فطرتي
هب نجيا لقِنا ذا جنة ليس بالدنيا له من صلة (2)
فهذا جماع القول:
إن صاحب الداعية المسلم: داعية آخر ليس بالدنيا له من صلة .
صلته بالآخرة ، و شوقه إلى الجنة .
بينه و بين الدنيا انقطاع و جفاء .
إن تحريت عنه: وجدته .
إنه هو صاحبك .
آخه ، وأحببه ، واصحبه ، وأعطه مثل الذي يعطيك ، وإلا فإنك أنت العاجز ، فإنه كان يقال:
"أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان , و أعجز منه من ضيع من ظفر بهم ) ."
فاطلب الإخوان ، نرفع عنك صفة العجز . ولابن القيم كلام موجز شامل في ذلك ، يدل على تجربة داعية من أهل الوعي ، شخص فيه أخطار المجالس فقال:"الاجتماع بالاخوان قسمان:"
أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع و شغل الوقت ، فهذا مضرته أرجح من منفعته ، و أقل ما فيه أنه يفسد القلب و يضيع الوقت .
الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة و التواصي بالحق و التواصي بالصبر ، فهذا من أعظم الغنيمة و أنفعها ، و لكن فيه ثلاث آفات:
أحدها: تزين بعضهم لبعض .
الثانية: الكلام و الخلطة أكثر من الحاجة .
الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود" (3) "
(1) تهذيب التهذيب 2/396 .
(2) ديوان الاسرار و الرموز 71 .
(3) الفوائد لابن القيم 51 .