فليس فيمن حولك من انبغت له العصمة و استقام له الصواب ، فإن أخطأ معك أخ لك فلا تجرمنَّك كبوته على الهجران ، و التأفف ، و الضجر و الانتقاص منه ، بل ولا على العتاب , إنما تتصبر ، و تكظم و تعفو في سرك مستحضرًا جمال سابقاته ، و جياد أفعاله ، و حلو مكرماته ، إذ لعله قد أعانك على توبة أو ظاهرك عند تعلمك رديفًا و رفيقًا و سميرًا ، أو علّمك بابًا مما علّمه الله و طريفه .
فإن استفدت و نشرت الانصاف ، فقد أذن لك في أن تستلقي تحت شجرة هيفاء ، كثيرة الثمار و الورود ، يخلب نظر الرائي جمالها ، و تُنطق المستمتع حمدًا لرفيع ذوق غارسها .
اسمها: شجرة الزهد .
وهي شجرة قلبية فريدة ، و لم يَسبق صاحبها أحد إلى استنبات مِثلها ، فجاءت بدعة ، و وصفها فقال:
غَرسَ الزهدُ بقلبي شجره بعد أن نقّى بجهدٍ حَجَرَه
وسَقاها إثرَ ما أَودَعها كَبِدَ الأرضِ بدمعٍ فَجَّرّه
ومتى أبصرَ طيرًا مُفسدًا حائمًا حول حِماها زَجَرَه
نمتُ في ظلٍ ظليلٍ تحتَها رَوّح القلبُ و نَحى ضَجَره
تم بايعت إلهي وكذا بيعة الرضوان تحت الشجرة
فانظروا أطوار رعايته لها ، وعنايته بها ، وكيف بدأ بتطهير قلبه مما هنالك من أحجار الحسد و الرياء و التكبر و سوء الظن ، و كيف سقاها بدموع الخشية في الأثلاث الأخيرة ، وكيف زجر شياطين الإنس و الجن لما حامت حول بذرتها تبغي التقاطها ، وقلِّده ، و أفعل فعله: تورق لك أختها ، و تتفتّح لك منها الزهور بألوان و عطور ، فتنام تحتها كما نام ، تستشعر شعور أهل بيعة الرضوان ، و كأنك فيهم و معهم ، تغمرك نشوة البيعة على الموت في سبيل الله دفاعًا عن الإسلام .