ثم شجرة المفاصلة ، شهدت كيف يُتمم استقلال الوسيلة عند المسلم استقلال الهدف ، و ذلك لما تبع مشرك جيش المهاجرين والأنصار حين سيره نحو بدر ، يريد أن يقاتل معهم ، حمية و نصرة لقومه ، فلما وصلوا شجرة ضخمة كانت مَعْلمًا في الطريق ، ذكرتها عائشة رضي الله عنها: لحق بهم ، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( ارجع ، فلن أستعين بمشرك ) (1)
فمضى ذلك أصلًا ، لم يطرأ عليه الاستثناء إلا في حوادث ضيقة .
و تحاصر جبهات الأحزاب اليوم دعوة الحق ، تبثّ إرجافها ، متهمة إياها بتخلف عن ركب سياسي مجتمع ، فيقصد الدعاة الأشجار المعالم الضخام ، فتشهد بانتفاء اللقاء ، و عيب النزول بعد الاستعلاء .
ولما فَقه الناس هذه الأمثال: تتابعوا في سباق يغرسون ، فكانت شجرة ثامنة عرفت بينهم أنها شجرة الاغتفار .
وهي شجرة عنب كثيرة الثمر ، فكان غارسها إذا مَرَّ به صديق له: اقتطف عنقودًا ودعاه ، فيأكله ، وينصرف شاكرًا .
فلما كان اليوم العاشر: قالت امرأة صاحب الشجرة لزوجها: ماهذا من أدب الضيافة ، ولكن أرى إن دعوت أخاك ، فأكل النصف ، مددت يدك معه مشاركًا ، إيناسًا له ، و تبسطًا و إكرامًا .
فقال: لأفعلن ذلك غذًا .
فلما كان الغد ، و انتصف الضيف في أكله: مدّ الرجل يده و تناول حَبّة ، فوجدها حامضة لا تساغ ، وتفلها ، و قطّب حاجبية ، و أبدى عَجَبه من صبر ضيفه على أكل أمثالها .
قال أبو حيان التوحيدي: فقال الضيف: قد أكلت من يدك ، من قَبلُ على مر الأيام حُلوًا كثيرًا ، و لم أحب أن أريك من نفسي كراهة لهذا تشوب في نفسك عطاءك السالف (2) .
و ما هذه من قصص الأغاليط ، ولكنه مَثَل ضرب لك أيها الأخ الداعية فاستمع له ، ومجاز تدلف منه إلى العدل مفتوح أمامك .
(1) صحيح مسلم 5/201 .
(2) الامتاع و المؤانسة 2/121 .