جذع أنيلَ الشرف ، فوفى ، واجتمع له الحَنين ، فاستبدَّ به استبدادًا ، فَرَّق منه الأنين .
وما من أحد إلا وفي بيته ديوان حديث ، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم واقف عنده يُفقِّه أمرَ دينه ، و يُلقنه شرائع الأسلام ، و الوفاء يليق لمثلنا ، نتعلمه من الجذع ، و نترجمه صُورًا من الاتّباع و الاقتفاء .
و شجرة خامسة تسمى شجرة الثبات ، تلوذ بها يوم تتوزع الناس الأهواء ، فتطلب النجاة معتزلًا الفِرَق كلها ، ( ولو أن تعضّ بأصل شجرة ) (1)
وتصون لسانك إلا عن قولك مع عبد الله بن أبي مُليكة:"اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نُفتن" (2) فلأمر ما مما نقول كان هذا الاعتصام بالشجر ، في إلحاح يزيد معه المعتصم شدّ نواجذه ضاغطًا ، لو تخيّلته ، لتردّد قلبك يهتز في قلق ، بين رهبة من استرخاء يعتري فيَجرِف ، و أمل في إتمام يُنجي .
إلا أن رحيق هذه الشجرة يرويك إذ الناس تلهث عطشًا ، ويبل حلقك باردًا ، فتضاعف العضّ مُبالغًا ، كأنك تمص الثبات راضعًا .
و سادسة تُعرف بشجرة الأنس ، تُصاحبك عند الوحشة ، و تخفف رطوبتها جفاف هفواتك . غَرَسها النبي صلى الله عليه وسلم لما مَرَّ بقبرين يُعذبان ، فكان أن: ( أخذ جريدة رطبة ، فشقها بنصفين ، ثم غرز في كل قبر واحدة ، فقالوا: يارسول الله: لِمَ صنعت هذا ؟ فقال: لعله يخفف عنهما مالم يَيْبسا ) (3)
ففهم بُريدة الأسلمي - رضي الله عنه - من ذلك أنها سُنة ، فأوصى أن يُجعل في قبره جريدان ، فما زال الناس يُقلدونه في ذلك .
وقد لا نخلوا من لمم يكدر صفو العمل ، أو من تَتَبع بفضول لما في يد أهل الدنيا من أموال الاستدراج ، يكون معه الأرق المتلف ، واضطراب النوم ، فيضعف الاستعداد للفجر الآتي ، ولعل سويعة لك تحت سعف النخيل تخفف لهفك .
(1) صحيح البخاري 9/65 .
(2) صحيح البخاري 9/58 .
(3) صحيح البخاري 2/14 .