و لهذا وجب على خطة الحركة الإسلامية التربوية أن تعتمد التذكير بالموت ضمن أسسها ، و تأخذ بيد كل داعية ليلمس لمسًا قريبًا حقيقته وتفاهة الحياة ، فينطلق من بعدُ انطلاقته في البذل ، و يتخلص من ثِقلة إلى الأرض تحاول الأموال أن تُركس كل متزين بها إليها .
لوحة من الفن الإسلامي:
و لئن جمع قادة الحروب جنودهم قبل كل معركة ، و حلّقوا بهم حلقة ، ليرسموا لهم على الأرض خطة تعبئة لحصار عدوهم ، فإن على قادة الحركة الإسلامية أن يرسموا قبل ذلك لحلقات الدعاة إلى الله خطة حصار الأجل للأماني الكواذب ، يذكرونهم إياه ، كما رسمه النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه على أرض المدينة ، ففتحت لهم - لما وعوا خطوطه - المدن .
و كان فيهم يومها: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فوصف فقال: ( خط النبي صلى الله عليه وسلم خطًا مربعًا ، وخط خطًا في الوسط خارجًا منه ، و خط خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط ، من جانبه الذي في الوسط ، وقال: هذا الإنسان ، وهذا أجله محيط به - أو: قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج: أمله ، وهذه الخطط الصغار: الأعراض ، فإن أخطأه هذا: نهشه هذا ، و إن أخطأه هذا: نهشه هذا ) (1)
وكان فيهم أيضًا: أنس بن مالك رضي الله عنه ، فوصف ، فقال: ( خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطوطًا ، فقال: هذا الأمل ، وهذا أجله ، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب ) (2)
وفي رواية: مثل ابن آدم جنبه تسع و تسعون مَنِيَّة ، إن أخطأته: وقع في الهَرَم .
و اكتملت بهذه الخطوط الشريفة لوحة من الفن الرمزي التجريدي فريدة .
إنه الإنسان الضعيف تغزوه الأعراض غزوًا فيه إلحاح . عدوى ، أو سرطان ، أو حريق ، أو غرق ، أو زلق ، أو سقوط ، أو اصطدام ، أو لدغة ، أو تسمم بطعام ، أو طلقة تائهة .
(1) صحيح البخاري 8/111
(2) صحيح البخاري 8/111