فإذا نجا من كل ذلك: كان له في الهرم ، و ضغط الدم وارتفاع نسبة السكر: تأديب أي تأديب .
فإن أطال النَفَس: اقتص منه الموت { قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم } تعددت الأسباب والموت واحد ، يحاصر الأمل الشارد الذي يتوهم الإفلات حصارًا شديدًا .
أمل أبيض وضّاء ، كلما برق: زهت في نظر صاحبه الأموال ، و الحِسان ، و العطور ، و القصور ، و المناصب ، و الشهادات ، فينسى مع نظره المنسرح المسترسل متطلبات دعوته ، و يصد عينه عن أرض مقدسة يفسد فيها يهود ، ولا يعود أنفه يشم رائحة شواء دعاة الإسلام في الصومال ، ولا نتن جثث الأتراك تحت حائط في قرية قبرصية ، وتتناسى أذنه وقع أحذية عساكر الهنادك في البنغال ..!
لكنه لو نظر ببصيرته لعرف أن أمله الوضاء إنما يلفه محيط أسود حالك ، يتيه فيما دونه من الظلمات ما لم يتبع في مشيه مخرجًا تدل عليه التقوى .
فهو تَرَقُّب جميل ، لكنه يتنغص .
وظل ظليل .. لكنه يتقلص .
ومطامع وراء الأودية والمفاوز ، وليس هو لما قُدر له بمجاوز .
و أنفاس قبل كل ذلك .. تُعدُّ .
ورحالة .. تُشدّ.
وعاريته .. تُرد .
و التراب من بَعد .. ينتظر الخد
فإنه ليس عُقبى الباقي غير اللحاق بالماضي .
وعلى أثر من سَلَفَ .. يمشي من خَلَف .
و ما ثَمَّ إلا أمل مكذوب و أجل مكتوب .
رؤية تمتد
و"إن هذا النظر ، الذي وراءه التذكر ، الذي وراءه التقوى ، التي وراءها الله ، هذا وحده هو القوة التي تتناول شهوات الدنيا فتصفِّيها أربع مرات ، حتى تعود بها إلى حقائقها الترابية الصغيرة التي آخرها القبر ، و آخر وجودها التلاشي" (1)
(1) وحي القلم للرافعي 2/198 ، ا/ 75 مع جمل سبقتهما للزمخشري و ابن الجوزي .