الصفحة 63 من 91

وهكذا أعطت مشيئة الله تعالى لمدرسة الكوفة من بعد عمر بن الخطاب دَورها في رقابة سواء سبيل أمة الإيمان ، وحفظه من الإنحراف وطغيان الآمال ، وشَرفها ، فتمثلت بها بقية نهي عن الفساد ، تكثر حينًا ، أو تقل من دون انقراض ، ليست دعوة الإسلام المعاصرة غير استرسال في كفالة القدر لوجودها ، وما وراثتنا لها إلا وراثة قربى في النسب واشتراك في المورد .

فبرز لها بالشام عمر

وكان الذي رويناه من استدراك عمر بن عبدالعزيز في أواخر المائة الأولى حلقة ضمن دعوة البقية الرقيبة على سير القرون ، اتصلت بمدرسة علي الكوفية عن طريق عون ابن عبدالله ، وعمر بن ذر ، وأعشى همدان الشاعر ، الآنف ذكرهم ، اتصالًا اعتياديًا كما هو شأن العلم في تقلبه في البلاد ، و شأن البقية الناهية في تقلبها عبر القرون ، لكنها حلقة استطاعت أن تستأثر بحيازة إعجازين قصرت عنهما الحلقات التي بعدها:

* إعجاز أكسبه إياها موضع الخلافة العالي ، فشخصت القدوة المهابة من بعد بعض انقطاع ، فتسارع الإصلاح ، فاختصر الزمان ، فكانت هنيهة قصيرة أثرت دهورًا طويلة .

* وإعجاز بلاغي آخر ، وليد تفكر وعمر ، وربيب نغمة من فصاحة عربية كانت ما تزال تنساب من فيه ، بها فضح عيب تمتع جيله بأسلاب الهالكين ، وبها راد لقرون تليه خبر موت أعمله حدسه أنها ستكون عنه من اللاهين ، فحدثها حديث صدق عن:

( قبور خرقت الأكفان ، ومزقت الأبدان ، ومصّت الدم ، وأكلت اللحم . تُرى: ما صنعت بهم الديدان ؟ مَحَت الألوان ، وعفرت الوجوه ، وكسرت الفقار ، وأبانت الأعضاء ومزقت الأشلاء .

تُرى: أليس الليل والنهار عليهم سواء ؟

أليس هم في مدلهمة ظلماء ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت