و قاربهم الصديق أبو بكر رضي الله عنه حتى قال عند وفاته:"والله ما نمت فحلمت ، ولا توهمت فسهوت ، و إني لعلى السبيل ما زغت" (1) . يعني أنه قد شغلته حروب الردة و الفتوح وأرهقه إرساء جهاز الدولة ، حتى أنه ما كان ليستغرق في نومه ليتاح له أن يحلم ، و ظل يزاد بعد النبي صلى الله عليه وسلم في الصديقية ليهبه الله تعالى يقظة أثناء هذا التعب تبعد عنه الوهم والسهو .
الترابي !
ويترجم عبدالله بن عباس رضي الله عنه انغماسه في صورة جمع بين التواضع والصبر على مشقة التعلم وجمع الحديث ، حتى أن الريح لتسفي عليه التراب ، يرجو بذلك أن يستنشق نسمات الجنة ، ويجتاز الصراط بلا حساب .
واسمعه يروي ما كان منه ويقول: ( أقبلت أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحديث , فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل ، فأتوسد ردائي على بابه ، تسفي الريح علي التراب ، فيخرج فيقول لي: يابن عم رسول الله ما جاء بك ؟ ألا أرسلت إلي فآتيك ؟ فأقول: لا ، أنا أحق أن آتيك ، فأسأله عن الحديث ) (2) . ولو شاء أن يوقظوه لأيقظوه له مع الفرح ، ولكن الهمم العالية تطرب لصفير الرياح ولفحات التراب .
هواية رفع الأثقال
والداعية اللبيب يسابق أصحابه لحمل كل ثقيل من الأمور ، فيكون يوم الجمع صاحب الميزان الثقيل ، كما تسابق النخعيون يوم معركة القادسية . قال أحد الصحابة منهم:"أتينا القادسية ، فقتل منا كثير ، و من سائر الناس قليل ، فسئل عمر عن ذلك فقال: أن النخَع ولوا عِظَم الأمر و حدهم" (3)
وما كان أحد ممن حضر القادسية إلا و أبلى ، و لكن الدعاة إلى الله لهم هواية التسابق في رفع الأثقال .
حصن التربية الأسدية
(1) الخراج لأبي يوسف /11
(2) طبقات ابن سعد 2/368 .
(3) الاصابة 1/28 .