دَيْنًا [1] . فكان حريًّا بالقرافيّ أن يقول: لأنَّ المدينة من (الدِّين) ، لأنَّ هذا هو الذي يعطي معنى الطاعة الذي يريدُهُ؛ قال الرّاغب الأصفهانيّ (425هـ) : «والدِّينُ يُقال للطّاعة والجزاء، واستُعيرَ للشريعة. والدِّينُ كالملَّة، لكنّه يُقال اعتبارًا بالطّاعة والانقياد للشريعة.» [2] . وينبغي أن يُعْلَمُ أنَّ جَعْلَ (المدينة) من (الدِّين) بمعنى الطّاعة هو أحدُ القولَيْنِ في أصل اشتقاق هذه الكلمة، فأصل الفعل على هذا القول هو: (دَيَنَ) ، ووزْنُ (المدينة) إمَّا: (مَفْعِلَة) ، وأصلها (مَدْيونَة) ، على وزن (مَفْعولَة) ، مِنْ (دَانَ) ، أي: مملوكةٌ مُذَلَّلَةٌ لَملِكها مُنقادَة لَهُ، وفُعِلَ بها ما فُعِلَ بـ (مَبْيُوع) حتّى صار (مَبِيعًا) ، أي إنَّ ضمّة الياء أُلقِيَتْ على الباء، فَسَكَنَتِ الياء التي هي عينُ الفِعل، وبَعْدَها واو مفعول وهي ساكنة، فاجتمع ساكنان، فحُذِفَت واوُ (مَفْعُول) لأنّها زائدة، فهي أَولى بالحذف من العين، وهذا هو قول الخليل (175هـ) .
وقال أبو الحسن الأخفش (215هـ) : إنَّ الوزنَ هو (مَفِيلَة) ، وإنَّ المحذوف هو عينُ الفعل، والباقي هو واو (مفعول) ، وإنّما صارت ياءً، لأنّهم لَمّا ألقَوا ضمّةَ الياء على الباء انضمَّت الباءُ، وبعدَها ياء ساكنة، فأُبدلت الضمّةُ كسرةً للياء التي بعدَها، ثم حُذِفَتِ الياء لالتقائها ساكنةً مع واو (مفعول) ، بعدَ أن أُلزِمَت الفاءُ الكسرةَ التي حَدَثت لأجل الياء، فصادَفَتْ واوَ (مفعول) ساكنةً، فقلبَتْها ياءً. وحَذْفُ عَين الفعل هو الأَولى عند الأخفش لأنّ واو (مفعول) جاءت لمعنًى، فحذفُها مُخِلّ بما جاءت لأجْلِهِ [3] .
وأمَّا القول الآخر في أصل اشتقاق (المَدينَة) ، فهو أنَّ الفعل الذي اشتُقَّتْ منه هو (مَدَنَ) ، ومعناه: أقامَ، ووزنُ الكلمة حينئذ هو: (فَعيلَة) [4] .
وعلى الرّغم من أنَّ الفيروزآباديّ (871هـ) كان قد حَكَمَ على الفعل (مَدَنَ) بأنّه فِعْلٌ مُمات، جَعَلَ اشتقاق المدينة منه ممكنًا؛ فقال: «مَدَنَ: أقامَ، فِعْلٌ مُمات.
(1) ينظر: القاموس المحيط: 2/ 1575.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 323.
(3) ينظر: بدائع الفوائد: 4/ 1616 - 1618.
(4) ينظر: عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 4/ 2470.