فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 463

ويبدو لي - والله أعلم - أنَّ سبب ما قاله النحّاس اختلافُ زوايا النظر إلى الموضوع بين اللّغويّين والفقهاء - على تداخلها في أحيان كثيرة -؛ فأهمّ ما نَظَرَ إليه اللّغويّون اشتقاقُ الكلمتين؛ فمعظمهم على أنَّ الفقيرَ مأخوذ من فَقَار الظَّهْر إذا انكَسَرَ، فقد بقَيتْ له بقيّة، أو من قولهم: فَقَرْتُ له فِقْرَةً من مالي، أي: أعطيتُهُ، فيكون الفقيرُ مَنْ له قطعةٌ من المال، على ما نَقَلَهُ القرافيّ. أمَّا المسكينُ، فمأخوذ من السّكون، وهو عَدَمُ الحركة، فكأنّه بمنزلة الميت [1] .

أمَّا الفقهاءُ، فأعيُنُهُم كانت مُعَلّقَةً بقوله تعالى: {أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} (الكهف: 79) ، وبغير ذلك من الآيات والأحاديثِ التي نَقَلَها القرافيّ عنهم، كما نَقَلَ ردودَ العلماء على احتجاجهم بها على ما أرادوا إثباتَه. ولا يخفى على المطالع لكتب العلماء تداخُلُ مآخذ اللّغويّين والفقهاء بَعْضِها ببعضٍ في الكتب التي عالجت هذا الفرق، وأنَّ الحُجج التي يسوقُها بعضُ الفقهاء من القرآن والحديث والشّعر ليستدلّوا بها على مرادهم تُواجَهُ بحجج أُخرى أو توجيهات مخالفة من فقهاءَ آخَرينَ يستدلّون بها على عكس ما قال الأوّلون. لذا، يبدو لي أنَّ مَنْ يَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ الناحية الاشتقاقيّة أهدى سبيلًا وأقومُ قيلًا.

ظ. الفرق بين: (القَرْيَة) ، و (المَدِينَةِ) :-

ذَكَرَ القرافيّ أنَّ القريةَ هي: «الدُّورُ المجتمعة؛ مِنْ: (قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْض، إذا جَمَعْتهُ) ؛ فكلّ مدينة قريةٌ، وليسَ كلّ قريةٍ مدينةً؛ لأنّ المدينةَ من الإدانة، وهي الطاعة، فإذا كان في القرية مَن يُطاع من ولاةِ الأمْرِ فهي مدينة» [2] .

وقولُ القرافيّ: (لأنّ المدينةَ من الإدانة) فيه تَسَمُّح؛ فالإدانة مِن (أدانَ) ، ومعناه: «عامَلَ بالدَّيْن. وأدَنْتُهُ أنا: أقْرَضْتُهُ» [3] ، ورَجُل مُدانٌ: عليه دَيْنٌ، وأدانَ: أخَذَ

(1) ينظر: معاني القرآن الكريم للنّحاس: 4/ 275.

(2) الذّخيرة: 10/ 285.

(3) كتاب الأفعال للسرقسطي (ت بعد 400هـ) : 3/ 309.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت